ممارسة قديمة ذات جذور أسطورية ووثنية – حين تتعلَّق القلوب بغير الله – شجرة الأمنيات..
وائل رمضان • المرأة والأسرة
ممارسة قديمة ذات جذور أسطورية ووثنية – حين تتعلَّق القلوب بغير الله – شجرة الأمنيات..
(شجرة الأمنيات) ممارسة قديمة ذات جذور أسطورية ووثنية ارتبطت بمعتقدات تنسب إلى قدرة الأشجار على جلب الحظ وتحقيق الأمنيات
اكتسبت (شجرة الأمنيات) في بعض الثقافات مكانة دينية وروحية وارتبطت بطقوس التبرك وتقديم النذور والقرابين
إن حماية المجتمع من الخرافات والانحرافات العقدية مسؤولية مشتركة تتكامل فيها جهود الأسرة والمسجد والمدرسة والإعلام
لا يرتبط انتشار الخرافات بالجهل وحده بل تغذيه عوامل نفسية واجتماعية ولا سيما في أوقات القلق والعجز عن تحقيق الرغبات
خطورة هذه الممارسات في تحولها من مجرد تقليد عابر إلى اعتقاد بأسباب موهومة وتعلق القلوب بغير الله تعالى في جلب النفع ودفع الضر
تُسهم وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الخرافات وإضفاء القبول عليها وتحويلها إلى ظواهر جذابة تدفع إلى التقليد دون وعي بحقيقتها أو أبعادها العقدية
السعيدان: جاء الإسلام ليحرر القلوب من التعلق بالأشجار والأحجار وسائر المخلوقات وليقرر أن الله وحده هو المالك لكل شيء والمدبر لشؤون خلقه
جاء تحذير القرآن الكريم من الشرك مؤكدًا عظيم خطره حيث يناقض أصل التوحيد والغاية التي خُلق الإنسان من أجلها
في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وانتقال العادات والممارسات بين المجتمعات دون تمحيص، تبرز ظواهر غريبة عن التصور الإسلامي الصحيح، وتتخذ أشكالًا جذابة تبدو ترفيهية أو رمزية، لكنها قد تنطوي على معتقدات خرافية تمس سلامة العقيدة، ومن أبرزها ما ظهر مؤخرًا وعرف بـ«شجرة الأمنيات»، التي يعلّق عليها بعض الناس أوراقًا تحمل أمنياتهم، وقد يقترن ذلك بالاعتقاد في قدرتها على جلب الحظ أو تحقيق الرغبات، وقد أثارت هذه الظاهرة تساؤلات حول أسباب الانجذاب إلى مثل هذه الممارسات، ومدى الوعي بأبعادها العقدية؛ ومن هنا تبرز أهمية بيان حقيقتها، والتحذير مما يناقض التوحيد أو يخل بكماله، وتعزيز الوعي الشرعي لحماية المجتمع من الخرافات والانحرافات العقدية.
«شجرة الأمنيات» فكرة قديمة ارتبطت بمعتقدات وأساطير في ثقافات متعددة؛ ففي الموروث الهندوسي تُعرف شجرة «كالبافريكشا» بأنها الشجرة التي تحقق الرغبات، وفي قرية «لام تسوين» بهونغ كونغ اشتهرت أشجار يقصدها الزوار لتعليق أمنياتهم على أغصانها، اعتقادًا بارتباطها بتحقيق الرغبات وجلب الحظ, وقد اكتسبت هذه الأشجار في بعض الثقافات مكانة دينية وروحية، وارتبطت بطقوس التبرك وتقديم النذور والقرابين.
ومع مرور الزمن، انتقلت الفكرة من الممارسات الشعبية والدينية إلى مجالات الزينة والتسويق والأنشطة الترفيهية، وظهرت مجسمات وأشكال رمزية تُروَّج أحيانًا بوصفها وسائل لجذب الوفرة والطاقة الإيجابية، وهنا تكمن خطورة انتقال هذه الممارسات إلى المجتمعات المسلمة؛ إذ قد تُقدَّم في صورة نشاط ترفيهي بريء، بينما تحمل بعض صورها معتقدات خرافية تتعارض مع التوحيد، ولا سيما إذا اقترنت بالاعتقاد في قدرة الأشجار أو المجسمات على جلب النفع أو تحقيق الأمنيات.
لا يُقاس حجم الظواهر بمجرد انتشار المقاطع المصورة أو كثرة التفاعل معها، بل بمدى المشاركة الفعلية فيها، وطبيعة المعتقدات المصاحبة لها، وتأثيرها في المجتمع، فقد تكون الممارسة محدودة، لكن تداولها رقميًا يمنحها انتشارًا وتأثيرًا أوسع، ويثير تساؤلات حول أسباب الانجذاب إلى رموز الحظ والأمنيات رغم انتشار الوعي والتعليم، وتبقى الخطورة الحقيقية في تحول هذه الممارسات من مجرد تقليد عابر إلى اعتقاد بأسباب موهومة، وتعلق القلوب بأشياء لا تملك نفعًا ولا ضرًا بدلًا من التوكل على الله والأخذ بالأسباب المشروعة.
لا يرتبط انتشار الخرافات بالجهل وحده، بل تغذيه عوامل نفسية واجتماعية، ولا سيما في أوقات القلق والعجز عن تحقيق الرغبات؛ إذ قد يدفع التعلق بالأمنيات بعض الناس إلى البحث عن وسائل موهومة تمنحهم أملًا زائفًا, ويعزز ذلك ضعف الوعي بالتوحيد، والتأثر بالموروثات الشعبية، وتقليد الثقافات الأخرى، فضلًا عن دور وسائل التواصل في ترويج الممارسات الغريبة, ومن هنا، فإن مواجهة الخرافة تقتضي فهم دوافعها، وتصحيح المعتقدات الخطأ، وترسيخ التوكل على الله، مع الأخذ بالأسباب المشروعة.
ومن أبلغ الأدلة على خطورة التعلق بالأشجار طلبًا للبركة ما رواه أبو واقد الليثي - رضي الله عنه -، قال: «خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط»، فأنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، وشبَّه مقالتهم بقول بني إسرائيل لموسى عليه السلام: {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} (الأعراف: 138)، فتأملوا كيف بادر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى إنكار هذا الطلب، حماية لجناب التوحيد، وسدًا للذرائع المفضية إلى الشرك، مع أن أصحابه لم يطلبوا عبادة الشجرة، وإنما طلبوا اتخاذها موضعًا للتبرك، كما كان يفعل المشركون، وهذا يبين خطورة اتخاذ الأشجار والأحجار أسبابًا لجلب النفع أو دفع الضر بغير دليل شرعي أو سبب حسي صحيح، وضرورة المبادرة إلى تصحيح هذه المفاهيم قبل أن تستقر في القلوب.
إن أخطر ما يمكن أن تنتهي إليه الممارسات الخرافية هو المساس بأصل التوحيد الذي قامت عليه رسالة الإسلام، وهو إفراد الله -تعالى- بالعبادة، والاعتقاد بأنه وحده المالك للنفع والضر، والمتصرف في شؤون خلقه، قال -تعالى-: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} (الجن: 18)، وقال -سبحانه-: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} (يونس: 107)، فالمسلم يوقن أن تحقيق المطالب ودفع المكاره بيد الله -تعالى-، وأن الأسباب لا تكون معتبرة إلا إذا ثبت تأثيرها بطريق شرعي أو حسي صحيح.
الخرافة.. خطر يتجاوز الفرد إلى المجتمع