ممارسة قديمة ذات جذور أسطورية ووثنية – حين تتعلَّق القلوب بغير الله – شجرة الأمنيات..
وائل رمضان • المرأة والأسرة
لا تقتصر خطورة الخرافات على ممارسيها، بل تمتد آثارها إلى المجتمع؛ إذ تُضعف التوكل على الله، وتربط القلوب بأسباب موهومة، وتُرسخ الاتكال على الأوهام بدلًا من العمل والأخذ بالأسباب المشروعة، كما تُسهم في انتقال المعتقدات الفاسدة بين الأجيال، وتفتح أبواب الاستغلال المالي والعاطفي، وتزداد خطورتها حين تتحول إلى ممارسات شائعة تكتسب قبولًا اجتماعيًا، فيُتوهم أن انتشارها دليل على صحتها ومشروعيتها.
حماية المجتمع من الانحرافات العقدية
إن حماية المجتمع من الخرافات والانحرافات العقدية مسؤولية مشتركة تتكامل فيها جهود الأسرة والمسجد والمدرسة والإعلام؛ فالأسرة تغرس التوحيد في نفوس الأبناء، وتربيهم على التعلق بالله والأخذ بالأسباب المشروعة، والمسجد والمؤسسات الشرعية يضطلعان بتصحيح المفاهيم وبيان خطورة الشرك والتعلق بغير الله، فيما تعزز المؤسسات التعليمية التفكير الناقد والتمييز بين الحقائق والأوهام. ويتكامل ذلك مع دور الإعلام في كشف الخرافات ونشر الوعي الشرعي، ومسؤولية الجهات المنظمة للفعاليات في تجنب الأنشطة التي تروج للمعتقدات الفاسدة أو توهم بمشروعيتها.
شجرة الأمنيات.. اعتداء على الفطرة
قال الشيخ وليد السعيدان: لقد اطلعت على مقطع مصور أثار في نفسي بالغ الحزن والأسى، يظهر فيه عدد من الأطفال يجلسون تحت شجرة عُلقت على أغصانها خيوط وأوراق، بينما يخبرهم من يتولى توجيههم بأنها «شجرة تحقيق الأمنيات»، ويدعوهم إلى تعليق أمنياتهم عليها، موهمًا إياهم بأنها تحقق لهم ما يتمنون!
وأضاف؛ إن صح أن هذا هو المقصود من النشاط، فإننا أمام خطأ عقدي وتربوي جسيم؛ إذ كيف تُربط قلوب الأطفال بشجرة لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عن أن تحقق أمنيات غيرها؟ وكيف يُغرس في نفوس الناشئة الاعتقاد في أسباب موهومة، بدلًا من تربيتهم على صدق التوكل على الله، واللجوء إليه وحده في طلب الحاجات؟
وأكد أن الأطفال أمانة عظيمة، وقد فطرهم الله على الفطرة السليمة؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، ومن أعظم حقوقهم علينا أن نصون هذه الفطرة، وأن نغرس في قلوبهم التوحيد الخالص، لا أن نعرضهم لممارسات قد تفتح أبواب التعلق بغير الله.
ثم بين السعيدان أن الإسلام جاء ليحرر القلوب من التعلق بالأشجار والأحجار وسائر المخلوقات، وليقرر أن الله وحده هو المالك للنفع والضر، والمدبر لشؤون خلقه، والمتصرف في هذا الكون بمشيئته وحكمته، قال -تعالى-: {قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} (الزمر: 38)، وقال -سبحانه-: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} (يونس: 107)، فلا شجرة تحقق أمنية، ولا حجر يجلب رزقًا، ولا مخلوق يملك النفع والضر استقلالًا عن الله -تعالى-؛ بل الخلق جميعًا مفتقرون إليه، خاضعون لأمره، لا يملكون لأنفسهم شيئًا إلا ما شاء -سبحانه-، والأشجار نفسها مخلوقات تسبح بحمد ربها وتسجد له، كما قال -تعالى-: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} (الرحمن: 6)؛ فكيف يُعلَّق بها رجاء لا ينبغي أن يكون إلا بالله؟
ثم بين السعيدان أن من يتولى تعليم الأطفال وتربيتهم يحمل أمانة عظيمة، لا تقتصر على نقل المعلومات وتنمية المهارات، بل تشمل المحافظة على فطرتهم، وصيانة عقيدتهم، وتوجيه قلوبهم إلى الله -تعالى-، فكيف يُقبل أن يتعلم الطفل أن شجرة تحقق أمنياته، بينما الواجب أن يتعلم أن الله وحده هو الذي يجيب الدعاء، ويكشف الضر، ويجلب الخير، وأن عليه أن يسأل ربه، ويحسن التوكل عليه، ويأخذ بالأسباب المشروعة؟
وإذا ثبت أن أحدًا تعمد غرس هذه الاعتقادات في نفوس الأطفال، فإن الواجب على الجهات المختصة التحقق من الواقعة، وتصحيح ما ترتب عليها من مفاهيم خاطئة، واتخاذ الإجراءات التربوية والنظامية المناسبة؛ حماية لعقائد الناشئة وصيانة لأمانة التعليم، وليس المقصود مجرد محاسبة المخطئ، بل منع تكرار الخطأ، وتوعية القائمين على الأنشطة التعليمية والتربوية بخطورة الممارسات التي قد تحمل مضامين مخالفة للتوحيد.
ثم أكد السعيدان أننا بحاجة إلى تجديد العناية بالتوحيد في بيوتنا ومدارسنا ومساجدنا، وأن نربي أبناءنا على أن الله وحده هو مالك الملك، ومدبر الأمر، ومجيب الدعوات، وأن تحقيق الأمنيات لا يكون بتعليق الأوراق على الأشجار، ولا بالتعلق بالأوهام والخرافات، وإنما بمشيئة الله -تعالى-، مع صدق الدعاء، وحسن التوكل، وبذل الأسباب المشروعة، فلنتق الله في أبنائنا، ولنحفظ عليهم صفاء فطرتهم وسلامة عقيدتهم، ولنغرس في قلوبهم منذ الصغر أن الله هو الملجأ في الشدائد، والمرجو في الحاجات، وأن الخير كله بيده -سبحانه-، فالتوحيد أعظم ما نملك، وأغلى ما نورثه لأبنائنا، وحمايته مسؤولية لا تقبل التهاون؛ إذ لا خير في علم أو تربية أو نشاط يُضعف تعلق القلوب بالله، أو يفتح عليها أبواب الشرك والخرافة.
احفظوا على أبنائكم جوهرة التوحيد!
إن من أعظم الأمانات التي استرعانا الله إياها جوهرة التوحيد، التي يجب أن نحفظها نقية صافية من شوائب الشرك والخرافة، وأن نصون بها قلوب أبنائنا ومن استرعانا الله أمرهم؛ فالتوحيد أصل الدين وأساس النجاة، وأعظم ما ينبغي أن يتعلمه المسلم ويُعلِّمه غيره، ومن أعظم وسائل المحافظة عليه طلب العلم الشرعي، ومعرفة ما يجب لله -تعالى- من التوحيد والعبادة، وما يناقض ذلك من الشرك أو يخل بكمال الإيمان؛ حتى نعبد الله على علم وبصيرة.
الوقاية من المعتقدات الخرافية