منارات في مسيرة طلب العلم (4) طالب العلم بين فقه الواقع والعلم بالواجب (2-3)
فَتْحي بِن عَبدِ الله المَوْصِليِّ • الفقه
وتحتاج الوسطية كذلك إلى فقه الاقتران؛ أي الجمع بين المعاني التي يكمل بعضها بعضًا: بين العلم والرحمة، والشجاعة والحكمة، والحزم والرفق، والعناية بالظاهر وإصلاح الباطن، والتمسك بالحق وحسن عرضه على الناس، فليست الرحمة ضعفًا، ولا الشجاعة اندفاعًا، ولا الحزم قسوة، ولا الرفق تنازلًا عن الحق؛ وإنما يستقيم كل خلق حين يوضع في موضعه ويضبط بضوابط الشرع.
وتظهر الوسطية في حياة طالب العلم خاصة في ثلاثة مجالات: معاملته للناس بين العطاء والمنع، وحكمه عليهم بين المدح والذم، ومشاعره تجاههم بين الحب والبغض، فليس من العدل أن يغلو في مدح من يحب حتى يرفعه فوق منزلته، ولا أن يبالغ في ذم من يخالفه حتى يسلبه فضائله وحسناته، وقد جاء في الحديث: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان»، وهذا ميزان عظيم يحرر الإنسان من سلطان الهوى، ويجعل مواقفه خاضعة لما يرضي الله -تعالى-، لا لما تمليه العصبية أو الخصومة.
ومن أخطر مظاهر غياب الوسطية التوسع في التبديع والتضليل والتكفير بغير علم ولا ضوابط شرعية، أو تحويل الخلافات العلمية إلى خصومات شخصية تستنزف الجهود وتفرق القلوب، فطالب العلم الذي يريد أن يكون مصلحًا لا بد أن يكون عادلًا في أحكامه، منصفًا في عباراته، رحيمًا في معاملاته، ثابتًا على الحق دون قسوة أو عدوان.
قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} (البقرة: 208)، والإسلام دين شامل، تتكامل فيه العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات، وتتساند فيه علوم الشريعة وشعب الإيمان، فلا يصح أن يختزل طالب العلم الدين في جانب واحد، ثم يغفل عن بقية جوانبه.
وقد يعتني بعض الطلاب بمسائل الاعتقاد عناية عظيمة، وهذا من أشرف أبواب العلم، لكنه يقصر في الفقه أو التفسير أو تزكية النفس وآداب الخلاف، وقد يشتغل آخر بالأخلاق والرقائق، لكنه لا يمنح أصول الاعتقاد والأحكام الشرعية ما تستحقه من عناية، وهذا الاختلال ينعكس على الشخصية العلمية؛ لأن نقص التكوين قد يؤدي إلى قصور في الفهم أو اضطراب في الممارسة.
وفي هذا المعنى تتجلى حقيقة التربية العلمية؛ فالعالم الرباني لا يلقي على الناس كل ما يعرف، ولا يحمل المبتدئ ما لا يطيق، وإنما يتدرج بهم من الأصول إلى الفروع، ومن الواضح إلى الدقيق، ومن العلم إلى العمل، وهو كذلك لا يجعل خطابه قائمًا على المجادلة والمشاغبة، وإنما على التعليم والمذاكرة والمناصحة، يقصد هداية الناس لا الانتصار لنفسه، ويحرص على وصول الحق إلى قلوبهم قبل أن يحرص على ظهور تفوقه عليهم.
وتقوم الربانية على اجتماع العلم والحكمة والفقه؛ فالعلم يمنح صاحبه الحجة، والحكمة تعينه على حسن الخطاب والتدرج، والفقه يمكنه من فهم الوقائع وتنزيل الأحكام عليها وفق ضوابطها، ومن هنا كانت تربية العلماء لطلابهم أوسع من مجرد شرح الكتب؛ فهي تربية للقلوب والعقول، وتكوين للملكات، وتعليم للأدب قبل الخلاف، وللإنصاف قبل النقد، وللعمل قبل التوسع في القول.
وما أحوج طالب العلم إلى أن يراجع نفسه في هذا الباب فيسألها: هل يزيدني العلم تواضعًا أم كبرًا؟ وهل يقربني من الله أم يشغلني عن عبادته؟ وهل يجعلني أرحم بالناس وأحرص على هدايتهم، أم أكثر خصومة معهم؟! إن هذه الأسئلة تكشف عن حقيقة أثر العلم في النفس، وتعين طالب العلم على تصحيح مسيرته قبل أن تتسع الفجوة بين ما يعرفه وما يعمل به.