تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 2
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج2 ص129
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه [صلى الله عليه وسلم] (1) ثم أكب عليه وقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي. والله لا يجمع الله عليك موتتين؛ أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها.
وقال الزهري: وحدثني أبو سلمة عن ابن عباس، أن أبا بكر خرج وعمر يحدث (2) الناس فقال: اجلس يا عمر فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} إلى قوله: {وسيجزي الله الشاكرين} قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس منه (3) كلهم، فما سمعها (4) بشر من الناس إلا تلاها (5) .
وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي (6) وحتى هويت إلى الأرض (7) .
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن عليا كان يقول في حياة رسول الله: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه، ووليه، وابن عمه، ووارثه فمن أحق به مني؟ (8) .
وقوله: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا} أي: لا يموت أحد إلا بقدر الله، وحتى يستوفي المدة التي ضربها الله له؛ ولهذا قال: {كتابا مؤجلا} كقوله (9) {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} [فاطر:11] وكقوله {هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده} [الأنعام:2] .
وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه كما قال ابن أبي حاتم:
حدثنا العباس بن يزيد العبدي قال: سمعت أبا معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن صهبان، قال: قال رجل من المسلمين (10) -وهو حجر بن عدي-: ما يمنعكم أن تعبروا إلى هؤلاء العدو، هذه (11) النطفة؟ -يعني دجلة- {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا} ثم أقحم فرسه دجلة فلما أقحم أقحم الناس فلما رآهم العدو قالوا: ديوان، فهربوا (12) (13) .
