تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 2
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج2 ص130
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وقوله: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها} أي: من كان عمله للدنيا فقد نال منها ما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة [من] (1) نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا كما قال: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} [الشورى:20] وقال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} [الإسراء: 18، 19] وهكذا قال هاهنا: {وسنجزي الشاكرين} أي: سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم.
ثم قال تعالى -مسليا للمسلمين (2) عما كان وقع في نفوسهم يوم أحد-: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} قيل: معناه: كم من نبي قتل وقتل معه ربيون من أصحابه كثير. وهذا القول هو اختيار ابن جرير، فإنه قال: وأما الذين قرؤوا: {قتل معه ربيون كثير} فإنهم قالوا: إنما عنى بالقتل النبي وبعض من معه من الربيين دون جميعهم، وإنما نفى الوهن والضعف عمن بقي من الربيين ممن لم يقتل.
قال: ومن قرأ {قاتل} فإنه اختار ذلك لأنه قال: لو قتلوا (3) لم يكن لقوله: {فما وهنوا} وجه معروف؛ لأنهم يستحيل أن يوصفوا بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا.
ثم اختار قراءة من قرأ {قتل معه ربيون كثير} ؛ لأن الله [تعالى] (4) عاتب بهذه الآيات والتي (5) قبلها من انهزم يوم أحد، وتركوا القتال أو سمعوا الصائح يصيح: "إن (6) محمدا قد قتل". فعذلهم الله على فرارهم وتركهم القتال فقال لهم: {أفإن مات أو قتل} أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم وانقلبتم على أعقابكم؟.
وقيل: وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير (7) .
وكلام ابن إسحاق في السيرة يقتضي قولا آخر، [فإنه] (8) قال: أي وكأين من نبي أصابه القتل، ومعه ربيون، أي: جماعات فما وهنوا بعد نبيهم، وما ضعفوا عن عدوهم، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر، {والله يحب الصابرين} .
فجعل قوله: {معه ربيون كثير} حالا وقد نصر هذا القول السهيلي وبالغ فيه، وله اتجاه لقوله: {فما وهنوا لما أصابهم} الآية، وكذلك حكاه الأموي في مغازيه، عن كتاب محمد بن إبراهيم، ولم يقل (9) غيره.
وقرأ بعضهم: {قاتل معه ربيون كثير} قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زر، عن ابن
