تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 2
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج2 ص207
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
بعض، ويحننهم (1) على ضعفائهم، وقد ثبت في صحيح مسلم، من حديث جرير بن عبد الله البجلي؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه أولئك النفر من مضر -وهم مجتابو النمار -أي من عريهم وفقرهم -قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} حتى ختم الآية (2) وقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد [واتقوا الله] (3) } [الحشر:18] ثم حضهم (4) على الصدقة فقال: "تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، صاع تمره ... " وذكر تمام الحديث (5) .
وهكذا رواه (6) الإمام أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود في خطبة الحاجة (7) وفيها ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها: {يا أيها الناس اتقوا ربكم [الذي خلقكم من نفس واحدة] (8) } الآية.
{وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2) وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (3) وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا (4) }
يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة، وينهى عن أكلها وضمها إلى أموالهم؛ ولهذا قال: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} قال سفيان الثوري، عن أبي صالح: لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الرزق الحلال الذي قدر لك.
وقال سعيد بن جبير: لا تبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم، يقول: لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام.
وقال سعيد بن المسيب والزهري: لا تعط مهزولا وتأخذ سمينا.
وقال إبراهيم النخعي والضحاك: لا تعط زائفا وتأخذ جيدا.
وقال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل فيها مكانها الشاة المهزولة، ويقول (9) شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم.
وقوله: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} قال مجاهد، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، والسدي، وسفيان بن حسين: أي لا تخلطوها فتأكلوها جميعا.
