شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 2

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج2 ص7

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

عوتب في القرآن إلا عليا" إنما يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوى، فإنه قد ذكر غير واحد أنه لم يعمل بها أحد إلا علي، ونزل قوله: {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات (1) فإذ لم تفعلوا وتاب الله} الآية [سورة المجادلة: 13] وفي كون هذا عتابا نظر؛ فإنه قد قيل: إن الأمر كان ندبا لا إيجابا، ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل، فلم ير (2) من أحد منهم خلافه. وقوله عن علي: "إنه لم يعاتب في شيء من القرآن" فيه نظر أيضا؛ فإن الآية التي في الأنفال التي فيها المعاتبة على أخذ الفداء عمت جميع من أشار بأخذه، ولم يسلم منها إلا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فعلم بهذا، وبما تقدم ضعف هذا الأثر، والله أعلم.

وقال (3) ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، حدثني يونس قال: قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، فيه: هذا بيان من الله ورسوله: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} فكتب الآيات منها حتى بلغ: {إن الله سريع الحساب} (4) .

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه قال: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا، الذي كتبه لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم. فكتب (5) له كتابا وعهدا، وأمره فيه بأمره، فكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} عهد من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" (6) .

قوله تعالى {أوفوا بالعقود} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود: العهود. وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك (7) قال: والعهود ما كانوا يتعاهدون (8) عليه من الحلف وغيره. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} يعني بالعهود: يعني ما أحل الله وما حرم، وما فرض وما حد في القرآن كله، فلا (9) تغدروا ولا تنكثوا، ثم شدد في ذلك فقال: {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} إلى قوله: {سوء الدار} [الرعد: 25] .

وقال الضحاك: {أوفوا بالعقود} قال: ما أحل الله وما حرم (10) وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي [صلى الله عليه وسلم] (11) والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام.

الصفحة السابقة الصفحة التالية