شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 3

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج3 ص172

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

بعضهم أن يأكل اللحم والودك، وأن يأكل بنهار، وحرم بعضهم النوم، وحرم بعضهم النساء، فكان عثمان بن مظعون ممن حرم النساء وكان (1) لا يدنو من أهله ولا تدنو منه. فأتت امرأته عائشة، رضي الله عنها، وكان يقال لها: الحولاء، فقالت لها عائشة ومن عندها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: ما بالك يا حولاء متغيرة اللون، لا تمتشطين، لا تتطيبين؟ قالت: وكيف أمتشط وأتطيب وما وقع علي زوجي وما رفع عني ثوبا، منذ كذا وكذا. قال: فجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن يضحكن، فقال: "ما يضحككن؟ " قالت: يا رسول الله، إن الحولاء سألتها عن أمرها، فقالت: ما رفع عني زوجي ثوبا منذ كذا وكذا. فأرسل إليه فدعاه، فقال: "ما لك يا عثمان؟ " قال: إني تركته لله، لكي أتخلى للعبادة، وقص عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يجب نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك". فقال: يا رسول الله، إني صائم. فقال: "أفطر". فأفطر، وأتى أهله، فرجعت الحولاء إلى عائشة [زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم] (2) وقد امتشطت واكتحلت وتطيبت، فضحكت عائشة وقالت: ما لك يا حولاء؟ فقالت: إنه أتاها أمس، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم؟ ألا إني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وأنكح النساء، فمن رغب عني فليس مني". فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا} يقول لعثمان "لا تجب نفسك، فإن هذا هو الاعتداء". وأمرهم أن يكفروا عن أيمانهم، فقال: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} رواه (3) ابن جرير.

وقوله: {ولا تعتدوا} يحتمل أن يكون المراد منه: ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم في تحريم (4) المباحات عليكم، كما قاله من قاله (5) من السلف. ويحتمل أن يكون المراد: كما لا تحرموا (6) الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتكم، ولا تجاوزوا الحد فيه، كما قال (7) تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا [إنه لا يحب المسرفين] [آل عمران: 31] } (8) وقال: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} [الفرقان: 67] فشرع الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط؛ ولهذا قال: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}

ثم قال: {وكلوا مما رزقكم الله حلالا} أي: في حال كونه حلالا طيبا، {واتقوا الله} أي: في جميع أموركم، واتبعوا طاعته ورضوانه، واتركوا مخالفته (9) وعصيانه، {الذي أنتم به مؤمنون}

الصفحة السابقة الصفحة التالية