تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 3
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج3 ص239
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وجعل (1) الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم، فجمع لفظ "الظلمات" ووحد لفظ (2) النور"؛ لكونه أشرف، كما قال {عن اليمين والشمائل} [النحل: 48] ، وكما قال (3) في آخر هذه السورة {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] .
وقوله: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} أي: ومع هذا كله كفر به بعض عباده، وجعلوا معه شريكا وعدلا واتخذوا له صاحبة وولدا، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
وقوله: {هو الذي خلقكم من طين} يعني: أباهم آدم الذي هو أصلهم ومنه خرجوا، فانتشروا في المشارق والمغارب.
وقوله: {ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده} قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {ثم قضى أجلا} يعني: الموت {وأجل مسمى عنده} يعني: الآخرة.
وهكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطية، والسدي، ومقاتل بن حيان، وغيرهم.
وقول (4) الحسن -في رواية عنه: {ثم قضى أجلا} قال: ما بين أن يخلق إلى أن يموت {وأجل مسمى عنده} ما بين أن يموت إلى أن يبعث-هو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص، وهو عمر كل إنسان، وتقدير الأجل العام، وهو عمر الدنيا بكمالها ثم انتهائها وانقضائها وزوالها، [وانتقالها] (5) والمصير إلى الدار الآخرة.
وعن ابن عباس ومجاهد: {ثم قضى أجلا} يعني: مدة الدنيا {وأجل مسمى عنده} يعني: عمر الإنسان إلى حين موته، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم [يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم] (6) } الآية [الأنعام: 60] .
وقال عطية، عن ابن عباس {ثم قضى أجلا} يعني: النوم، يقبض فيه الروح، ثم يرجع (7) إلى صاحبه عند اليقظة {وأجل مسمى عنده} يعني: أجل موت الإنسان، وهذا قول غريب.
ومعنى قوله: {عنده} أي: لا يعلمه إلا هو، كقوله تعالى: {إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو} [الأعراف: 187] ، وكقوله {يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها} [النازعات: 42 -44] .
وقوله: {ثم أنتم تمترون} قال السدي وغيره: يعني تشكون في أمر الساعة.
وقوله: {وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون} اختلف
