تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 3
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج3 ص252
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء! فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه، قال: فقام عنه الأخنس وتركه (1)
وروى ابن جرير، من طريق أسباط، عن السدي، في قوله: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة، إن محمدا ابن أختكم، فأنتم أحق من كف (2) عنه. فإنه إن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم، وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته قفوا هاهنا حتى ألقى أبا الحكم، فإن غلب محمد رجعتم سالمين، وإن غلب محمد فإن قومكم لم يصنعوا بكم شيئا. فيومئذ سمي الأخنس: وكان اسمه "أبي" فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد: أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا من قريش غيري وغيرك يسمع كلامنا. فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجاب والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} فآيات الله: محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا [ولا مبدل لكلمات الله] } (3) هذه تسلية للنبي (4) صلى الله عليه وسلم وتعزية له فيمن كذبه من قومه، وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ووعد له بالنصر كما نصروا، وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة، بعد ما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ، ثم جاءهم النصر في الدنيا، كما لهم النصر في الآخرة؛ ولهذا قال: {ولا مبدل لكلمات الله} أي: التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين، كما قال: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} [الصافات: 171 -173] ، وقال تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} [المجادلة: 21] .
وقوله: {ولقد جاءك من نبإ المرسلين} أي: من خبرهم كيف نصروا وأيدوا على من كذبهم من قومهم، فلك فيهم أسوة وبهم قدوة.
ثم قال تعالى: {وإن كان كبر عليك إعراضهم} أي: إن كان شق عليك إعراضهم عنك {فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: النفق: السرب، فتذهب فيه {فتأتيهم (5) بآية} أو تجعل لك سلما في السماء فتصعد فيه فتأتيهم (6) بآية أفضل مما آتيتهم به، فافعل.
وكذا قال قتادة، والسدي، وغيرهما.
