تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 3
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج3 ص253
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وقوله: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين} كما قال تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا [أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين] (1) } [يونس: 99] ، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه (2) على الهدى، فأخبر الله أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأول.
وقوله: {إنما يستجيب الذين يسمعون} أي: إنما يستجيب لدعائك يا محمد من يسمع الكلام ويعيه ويفهمه، كقوله: {لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين} [يس: 70] ، وقوله {والموتى يبعثهم الله} يعني: بذلك الكفار؛ لأنهم موتى القلوب، فشبههم الله بأموات (3) الأجساد فقال: {والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون} وهذا من باب التهكم بهم، والازدراء عليهم.
{وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون (37) وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون (38) والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم (39) }
يقول تعالى مخبرا عن المشركين أنهم كانوا يقولون: {لولا نزل عليه آية من ربه} أي: خارق على مقتضى ما كانوا يريدون، ومما يتعنتون كما قالوا: {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} الآيات [الإسراء: 90] .
{قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي: هو تعالى قادر على ذلك، ولكن حكمته تعالى تقتضي تأخير ذلك؛ لأنه لو أنزلها (4) وفق ما طلبوا ثم لم يؤمنوا، لعاجلهم بالعقوبة، كما فعل بالأمم السالفة، كما قال تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} [الإسراء: 59] ، وقال تعالى: {إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} [الشعراء: 4] .
وقوله: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} قال مجاهد: أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها. وقال قتادة: الطير أمة، والإنس أمة، والجن أمة. وقال السدي: {إلا أمم أمثالكم} أي: خلق أمثالكم.
وقوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} أي: الجميع علمهم عند الله، ولا ينسى واحدا من جميعها من رزقه وتدبيره، سواء كان بريا أو بحريا، كما قال: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم
