تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 3
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج3 ص259
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
البشر، يوحي إلي من الله، عز وجل، شرفني بذلك، وأنعم علي به؛ ولهذا قال: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أي: لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه.
{قل هل يستوي الأعمى والبصير} أي: هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضل عنه ولم ينقد له؟ {أفلا تتفكرون} وهذه (1) كقوله (2) تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب} [الرعد: 19] .
وقوله: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} أي: وأنذر بهذا القرآن يا محمد {الذين هم من خشية ربهم مشفقون} [المؤمنون: 57] والذين {ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} [الرعد: 21] .
{الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} أي: يوم القيامة. {ليس لهم} أي: يومئذ {من دونه ولي ولا شفيع} أي: لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم، {لعلهم يتقون} أي: أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله، عز وجل {لعلهم يتقون} فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه.
وقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} أي: لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفة عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك، كما قال: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28] .
وقوله {يدعون ربهم} أي: يعبدونه ويسألونه {بالغداة والعشي} قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، والحسن، وقتادة: المراد بذلك الصلوات المكتوبات.
وهذا كقوله [تعالى] (3) {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] أي: أتقبل منكم.
وقوله: {يريدون وجهه} أي: يبتغون بذلك العمل وجه الله الكريم، فهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات.
وقوله: {ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} كما قال نوح، عليه السلام، في جواب الذين قالوا: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} [قال] (4) {وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون} [الشعراء: 112، 113] ، أي: إنما حسابهم على الله، عز وجل، وليس علي من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء.
وقوله: {فتطردهم فتكون من الظالمين} أي: إن فعلت هذا والحالة هذه.
قال الإمام أحمد: حدثنا أسباط -هو ابن محمد -حدثنا أشعث، عن كردوس، عن ابن مسعود
