شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 3

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج3 ص304

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

يخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى، أي: يشقه في الثرى فتنبت الزروع على اختلاف أصنافها من الحبوب، والثمار على اختلاف أشكالها وألوانها وطعومها من النوى؛ ولهذا فسر [قوله] (1) {فالق الحب والنوى} بقوله {يخرج الحي من الميت} أي: يخرج النبات الحي من الحب والنوى، الذي هو كالجماد الميت، كما قال: {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون * [وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون * ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون * سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض] (2) ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} [يس: 33 -36] .

وقوله: {ومخرج الميت من الحي} معطوف على {فالق الحب والنوى} ثم فسره ثم عطف عليه قوله: {ومخرج الميت من الحي}

وقد عبروا عن هذا [وهذا] (3) بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى، فمن قائل: يخرج الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، من قائل: يخرج الولد الصالح من الكافر، والكافر من الصالح، وغير ذلك من العبارات التي تنتظمها الآية وتشملها.

ثم قال: {ذلكم الله} أي: فاعل هذه الأشياء هو الله وحده لا شريك له {فأنى تؤفكون} أي: فكيف تصرفون من الحق وتعدلون عنه إلى الباطل فتعبدون مع الله غيره.

وقوله: {فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا} أي: خالق الضياء والظلام، كما قال في أول السورة: {وجعل الظلمات والنور} فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرة الصباح، فيضيء الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بدآدئه (4) وظلام رواقه، ويجيء النهار بضيائه وإشراقه، كما قال [تعالى] (5) {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا} [الأعراف: 54] ، فبين تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه، فذكر أنه فالق الإصباح وقابل ذلك بقوله: {وجاعل الليل سكنا} أي: ساجيا مظلما تسكن فيه الأشياء، كما قال: {والضحى والليل إذا سجى} [الضحى: 1، 2] ، وقال {والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى} [الليل: 1، 2] ، وقال {والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها} [الشمس: 3، 4] .

وقال صهيب الرومي [رضي الله عنه] (6) لامرأته وقد عاتبته في كثرة سهره: إن الله جعل الليل سكنا إلا لصهيب، إن صهيبا إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طار نومه، رواه ابن أبي حاتم.

وقوله: {والشمس والقمر حسبانا} أي: يجريان بحساب مقنن مقدر، لا يتغير ولا يضطرب، بل كل منهما له منازل يسلكها في الصيف والشتاء، فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولا وقصرا، كما قال [تعالى] (7) {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل [لتعلموا عدد السنين

الصفحة السابقة الصفحة التالية