تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 4
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج4 ص264
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
{وترهقهم} أي: تعتريهم وتعلوهم ذلة من معاصيهم وخوفهم منها، كما قال تعالى: {وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي} [الشورى: 45] ، وقال تعالى: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار * مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء * وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب} [إبراهيم: 42 -44] ، وقوله {ما لهم من الله من عاصم} أي: من مانع ولا واق يقيهم العذاب، كما قال تعالى: {يقول الإنسان يومئذ أين المفر * كلا لا وزر * إلى ربك يومئذ المستقر} [القيامة: 10 -12] .
وقوله: {كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما} إخبار عن سواد وجوههم في الدار الآخرة، كما قال تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون * وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} [آل عمران: 106، 107] ، وكما قال تعالى: {وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة} [عبس: 38 -42] . الآية.
{ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين (29) هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون (30) }
يقول تعالى: {ويوم نحشرهم} أي: أهل الأرض كلهم، من إنس وجن (1) وبر وفاجر، كما قال: {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا} [الكهف: 47] .
{ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم} أي: الزموا أنتم وهم مكانا معينا، امتازوا فيه عن مقام المؤمنين، كما قال تعالى: {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} [يس: 59] ، وقال {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} [الروم: 14] ، وفي الآية الأخرى: {يومئذ يصدعون} [الروم: 43] أي: يصيرون صدعين، وهذا يكون إذا جاء الرب تعالى لفصل القضاء؛ ولهذا قيل: ذلك (2) يستشفع المؤمنون إلى الله تعالى أن يأتي لفصل القضاء ويريحنا من مقامنا هذا، وفي الحديث الآخر: "نحن يوم القيامة على كوم فوق الناس. (3) (4)
