تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 4
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج4 ص274
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
{ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين (53) } {ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (54) }
يقول تعالى: ويستخبرونك {أحق هو} أي: المعاد والقيامة من الأجداث بعد صيرورة الأجسام ترابا. {قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين} أي: ليس صيرورتكم ترابا بمعجز الله عن إعادتكم كما بدأكم من العدم: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] . (1)
وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان، يأمر الله تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد في سورة سبأ: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم} [سبأ: 3] . وفي التغابن: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} [التغابن: 7] .
ثم أخبر تعالى أنه إذا قامت القيامة يود الكافر لو افتدى من عذاب الله بملء الأرض ذهبا، {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط} أي: بالحق، {وهم لا يظلمون} .
{ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (55) هو يحيي ويميت وإليه ترجعون (56) }
يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأن وعده حق كائن لا محالة، وأنه يحيي ويميت وإليه مرجعهم، وأنه القادر على ذلك، العليم بما تفرق من الأجسام وتمزق في سائر أقطار الأرض والبحار والقفار [سبحانه وتعالى تقدست أسماؤه وجل ثناؤه] . (2)
{يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين (57) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) }
يقول تعالى ممتنا على خلقه بما أنزل إليهم من القرآن العظيم على رسوله الكريم: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم} أي: زاجر عن الفواحش، {وشفاء لما في الصدور} أي: من الشبه والشكوك، وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس، {وهدى ورحمة} أي: محصل لها الهداية والرحمة من الله تعالى. وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه، كما قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82] ، وقال تعالى: {قل هو للذين
