تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 4
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج4 ص333
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
حنيذ: [وهو] (1) مشوي [شيا ناضجا] (2) على الرضف، وهي الحجارة المحماة.
هذا معنى ما روي عن ابن عباس [ومجاهد] (3) وقتادة [والضحاك، والسدي] (4) وغير واحد، كما قال في الآية الأخرى: {فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون} [الذاريات:26، 27] .
وقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيرة.
وقوله: {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم} تنكرهم، {وأوجس منهم خيفة} وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه؛ فلهذا رأى حالهم معرضين (5) عما جاءهم به، فارغين عنه بالكلية فعند ذلك نكرهم، {وأوجس منهم خيفة} .
قال السدي: لما بعث الله الملائكة لقوم لوط (6) أقبلت تمشي في صور رجال شبان (7) حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه، فلما رآهم [إبراهيم] (8) أجلهم، {فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين} فذبحه ثم شواه في الرضف (9) . [فهو الحنيد حين شواه] (10) وأتاهم به فقعد معهم، وقامت سارة تخدمهم (11) فذلك حين يقول: "وامرأته قائمة وهو جالس" في قراءة ابن مسعود: "فلما قربه إليهم قال ألا تأكلون قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن. قال فإن لهذا ثمنا. قالوا (12) وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا"، {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم} يقول: فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم، وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت إليه (13) سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم، ضحكت وقالت: عجبا لأضيافنا هؤلاء، [إنا] (14) نخدمهم بأنفسنا كرامة (15) لهم، وهم لا يأكلون طعامنا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا نصر بن علي، [حدثنا] (16) نوح بن قيس، عن عثمان بن محصن في ضيف إبراهيم قال: كانوا أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ورفائيل. قال نوح بن قيس: فزعم نوح بن أبي شداد أنهم لما دخلوا على إبراهيم، فقرب إليهم العجل، مسحه جبريل بجناحه، فقام يدرج حتى لحق بأمه، وأم العجل في الدار.
وقوله تعالى إخبارا عن الملائكة: {قالوا لا تخف [إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت] } (17) أي قالوا: لا تخف منا، إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم (18) . فضحكت (19) سارة استبشارا [منها] (20) بهلاكهم، لكثرة فسادهم، وغلظ كفرهم وعنادهم، فلهذا جوزيت بالبشارة
