تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 4
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج4 ص334
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
بالولد بعد الإياس.
وقال قتادة: ضحكت [امرأته] (1) وعجبت [من] (2) أن قوما يأتيهم (3) العذاب وهم في غفلة [فضحكت من ذلك وعجبت فبشرناها بإسحاق] .
وقوله: {ومن وراء إسحاق يعقوب} قال العوفي، عن ابن عباس: {فضحكت} أي: حاضت.
وقول محمد بن قيس: إنها إنما ضحكت من أنها ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط، وقول الكلبي إنها إنما ضحكت لما رأت من الروع بإبراهيم -ضعيفان جدا، وإن كان ابن جرير قد رواهما بسنده إليهما، فلا يلتفت إلى ذلك، والله أعلم.
وقال وهب بن منبه: إنما ضحكت لما بشرت بإسحاق. وهذا مخالف لهذا السياق، فإن البشارة صريحة مرتبة على.
{فبشرناها (4) بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} أي: بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل؛ فإن يعقوب ولد إسحاق، كما قال في آية البقرة: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون} [البقرة: 133] .
ومن هاهنا استدل من استدل بهذه الآية، على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق؛ لأنه وقعت البشارة به، وأنه سيولد له يعقوب، فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل (5) صغير، ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده. ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون هو إسماعيل وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه، ولله الحمد.
{قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا [إن هذا لشيء عجيب] } (6) حكى قولها في هذه الآية، كما حكى فعلها في الآية الأخرى، فإنها: {قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز} وفي الذاريات: {فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم} [الذاريات: 29] ، كما جرت به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب. {قالوا أتعجبين من أمر الله} أي: قالت الملائكة لها، لا تعجبي من أمر الله، فإنه إذا أراد شيئا أن (7) يقول له: "كن" فيكون، فلا تعجبي من هذا، وإن كنت عجوزا [كبيرة] (8) عقيما، وبعلك [وهو زوجها الخليل عليه السلام، وإن كان] (9) شيخا كبيرا، فإن الله على ما يشاء قدير.
