تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 4
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج4 ص423
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
بشرت سارة بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} الآية. [القصص: 7] ، وبأن الملك جاء إلى مريم فبشرها بعيسى، عليه السلام، وبقوله تعالى: {وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} [آل عمران: 42، 43] .
وهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات بذلك، فإن أراد القائل بنبوتهن هذا القدر من التشريف، فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام معه في أن هذا: هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا؟ الذي عليه [أئمة] (1) أهل السنة والجماعة، وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عنهم: أنه ليس في النساء نبية، وإنما فيهن صديقات، كما قال تعالى مخبرا عن أشرفهن مريم بنت عمران حيث قال: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} [المائدة: 75] فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام، فهي صديقة بنص القرآن.
وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} (2) أي: ليسوا من أهل السماء كما قلتم. وهذا القول من ابن عباس يعتضد بقوله تعالى: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} الآية [الفرقان: 20] وقوله تعالى: {وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين} [الأنبياء: 8، 9] وقوله تعالى: {قل ما كنت بدعا من الرسل} الآية [الأحقاف: 9] .
وقوله: {من أهل القرى} المراد بالقرى: المدن، لا أنهم من أهل البوادي، الذين هم أجفى الناس طباعا وأخلاقا. وهذا هو المعهود المعروف أن أهل المدن أرق طباعا، وألطف من أهل سوادهم، وأهل الريف والسواد أقرب حالا من الذين يسكنون في البوادي؛ ولهذا قال تعالى: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} [التوبة: 97] .
وقال قتادة في قوله: {من أهل القرى} لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمود.
وفي الحديث الآخر: أن رجلا من الأعراب أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة، فلم يزل يعطيه ويزيده حتى رضي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد هممت ألا أتهب هبة إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي". (3)
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ
