تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 4
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج4 ص424
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -قال الأعمش: هو [ابن] (1) عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم". (2)
وقوله: {أفلم يسيروا في الأرض} [يعني: هؤلاء المكذبين لك يا محمد في الأرض،] (3) {فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} أي: من الأمم المكذبة للرسل، كيف دمر الله عليهم، وللكافرين أمثالها، كقوله: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46] ، فإذا استمعوا (4) خبر ذلك، رأوا أن الله قد أهلك الكافرين ونجى المؤمنين، وهذه كانت سنته تعالى في خلقه؛ ولهذا قال تعالى: {ولدار الآخرة خير للذين اتقوا} (5) أي: وكما أنجينا المؤمنين في الدنيا، كذلك كتبنا لهم النجاة في الدار الآخرة أيضا، وهي خير لهم من الدنيا بكثير، كما قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} [غافر: 50، 51] .
وأضاف الدار إلى الآخرة فقال: {ولدار الآخرة} كما يقال: "صلاة الأولى" و"مسجد الجامع" و"عام الأول" و "بارحة الأولى" و"يوم الخميس". قال الشاعر: أتمدح فقعسا وتذم (6) عبسا ... ألا لله أمك من هجين
ولو أقوت عليك ديار عبس ... عرفت الذل عرفان اليقين (7)
{حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110) }
يخبر تعالى أن نصره ينزل على رسله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله تعالى في أحوج الأوقات إلى ذلك، كما في قوله تعالى: {وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} [البقرة: 214] ، وفي قوله: {كذبوا} قراءتان، إحداهما بالتشديد: "قد كذبوا"، وكذلك كانت عائشة، رضي الله عنها، تقرؤها، قال البخاري:
حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، بن صالح، عن ابن شهاب قال:
