تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 4
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج4 ص425
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قول الله: {حتى إذا استيئس الرسل} قال: قلت: أكذبوا أم كذبوا؟ فقالت عائشة: كذبوا. فقلت: فقد استيقنوا أن قومهم قد كذبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أجل، لعمري لقد استيقنوا بذلك. فقلت لها: وظنوا أنهم قد كذبوا؟ قالت (1) معاذ الله، لم تكن (2) الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، {حتى إذا استيئس الرسل} ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك.
حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرنا عروة، فقلت: لعلها قد كذبوا مخففة؟ قالت: معاذ الله. انتهى ما ذكره. (3)
وقال ابن جريج أخبرني ابن أبى مليكة: أن ابن عباس قرأها: {وظنوا أنهم قد كذبوا} خفيفة -قال عبد الله هو ابن مليكة: ثم قال لي ابن عباس: كانوا بشرا (4) وتلا ابن عباس: {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} [البقرة: 214] ، قال ابن جريج: وقال لي ابن أبي مليكة: وأخبرني عروة عن عائشة: أنها خالفت ذلك وأبته، وقالت: ما وعد الله محمدا صلى الله عليه وسلم من شيء إلا قد علم أنه سيكون حتى مات، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم. قال ابن أبي مليكة في حديث عروة: كانت عائشة تقرؤها "وظنوا أنهم قد كذبوا" مثقلة، للتكذيب.
وقال ابن أبي حاتم: أنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: جاء إنسان إلى القاسم بن محمد فقال: إن محمد بن كعب القرظي يقول (5) هذه الآية: {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} فقال القاسم: أخبره عني أني سمعت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} تقول: كذبتهم أتباعهم. إسناد صحيح أيضا.
والقراءة الثانية بالتخفيف، واختلفوا في تفسيرها، فقال ابن عباس ما تقدم، وعن ابن مسعود، فيما رواه سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله أنه قرأ: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} مخففة، قال عبد الله: هو الذي تكره. (6)
وهذا عن ابن مسعود وابن عباس، رضي الله عنهما، مخالف لما رواه آخرون عنهما. أما ابن عباس فروى الأعمش، عن مسلم، عن ابن عباس في قوله: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} قال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم،
