شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 4

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج4 ص454

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

الدنيا في الآخرة إلا متاع} كما قال: {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا} [النساء: 77] وقال {بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى} [الأعلى: 16، 17] .

وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ويحيى بن سعيد قالا حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن المستورد أخي بني فهر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم، فلينظر بم ترجع" وأشار بالسبابة. ورواه مسلم في صحيحه. (1)

وفي الحديث الآخر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بجدي أسك (2) ميت -والأسك (3) الصغير الأذنين -فقال: "والله للدنيا أهون على الله من هذا على أهله حين ألقوه". (4)

{ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب (27) الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) } {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب (29) }

يخبر تعالى عن قيل (1) المشركين: {لولا} أي: هلا {أنزل عليه آية من ربه} كما قالوا: {فليأتنا بآية كما أرسل الأولون} [الأنبياء: 5] وقد تقدم الكلام على هذا غير مرة، وإن الله قادر على إجابة ما سألوا. وفي الحديث: أن الله أوحى إلى رسوله لما سألوه أن يحول لهم الصفا ذهبا، وأن يجري لهم ينبوعا، وأن يزيح الجبال من حول مكة فيصير مكانها مروج وبساتين: إن شئت يا محمد أعطيتهم ذلك، فإن كفروا فإني أعذبهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال: "بل تفتح لهم باب التوبة والرحمة" (2) ؛ ولهذا قال لرسوله: {قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} أي: هو المضل والهادي، سواء بعث الرسول بآية على وفق ما اقترحوا، أو لم يجبهم إلى سؤالهم؛ فإن الهداية والإضلال ليس منوطا بذلك ولا عدمه، كما قال: {وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} [يونس: 101] وقال {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] وقال {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون} [الأنعام: 111] ؛ ولهذا قال: {قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} أي: ويهدي من أناب إلى الله، ورجع إليه، واستعان به، وتضرع لديه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية