تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 5
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج5 ص85
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وهكذا أمر رسوله ههنا (1) أن يجيبهم فقال: {قل كونوا حجارة أو حديدا} وهما (2) أشد امتناعا من العظام والرفات {أو خلقا مما يكبر في صدوركم}
قال ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: سألت ابن عباس عن ذلك فقال: هو الموت.
وروى عطية، عن ابن عمر أنه قال في تفسير هذه الآية: لو كنتم موتى لأحييتكم. وكذا قال سعيد بن جبير، وأبو صالح، والحسن، وقتادة، والضحاك.
ومعنى ذلك: أنكم لو فرضتم أنكم لو (3) صرتم موتا الذي هو ضد الحياة لأحياكم الله إذا شاء، فإنه لا يمتنع (4) عليه شيء إذا أراده.
وقد ذكر بن جرير [هاهنا] (5) حديث: "يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة، أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. ثم يقال: يا أهل النار، أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار، خلود بلا موت" (6) .
وقال مجاهد: {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} يعني: السماء والأرض والجبال.
وفي رواية: ما شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله بعد موتكم.
وقد وقع في التفسير المروي عن الإمام مالك، عن الزهري في قوله {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} قال: النبي صلى الله عليه وسلم، قال مالك: ويقولون: هو الموت.
وقوله [تعالى] (7) {فسيقولون من يعيدنا} أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديدا أو خلقا آخر شديدا {قل الذي فطركم أول مرة} أي: الذي خلقكم ولم تكونوا شيئا مذكورا، ثم صرتم بشرا تنتشرون؛ فإنه قادر على إعادتكم ولو صرتم إلى أي حال {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] .
وقوله [تعالى] (8) : {فسينغضون إليك رءوسهم} : قال ابن عباس وقتادة: يحركونها استهزاء.
وهذا الذي قالاه هو الذي تفهمه العرب من لغاتها؛ لأن (9) الإنغاض هو: التحرك من أسفل إلى أعلى، أو من أعلى إلى أسفل، ومنه قيل للظليم -وهو ولد النعامة -: نغضا؛ لأنه إذا مشى عجل (10) في مشيته وحرك رأسه. ويقال: نغضت (11) سنه إذا تحركت وارتفعت من منبتها؛ قال: الراجز (12) .
ونغضت من هرم أسنانها
وقوله: {ويقولون متى هو} إخبار عنه بالاستبعاد منهم لوقوع (13) ذلك، كما قال تعالى: {ويقولون
