شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 6

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج6 ص90

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

ومنهاجه وطريقته [وسنته] (1) وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله، كائنا ما كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (2) .

أي: فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطنا أو ظاهرا {أن تصيبهم فتنة} أي: في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة، {أو يصيبهم عذاب أليم} أي: في الدنيا، بقتل، أو حد، أو حبس، أو نحو ذلك.

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حولها (3) . جعل الفراش وهذه الدواب اللاتي [يقعن في النار] (4) يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه ويتقحمن فيها". قال: "فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار، فتغلبوني وتقتحمون فيها". أخرجاه من حديث عبد الرزاق (5)

{ألا إن لله ما في السموات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم (64) } .

يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأنه عالم غيب السموات والأرض، وهو عالم بما العباد عاملون في سرهم وجهرهم، فقال: {قد يعلم ما أنتم عليه} و"قد" للتحقيق، كما قال قبلها: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا} ، وقال تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا} [الأحزاب: 18] . وقال تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} [المجادلة: 1] ، وقال: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33] ، وقال: {قد نرى تقلب وجهك في السماء [فلنولينك قبلة ترضاها] } (6) [البقرة:144] فكل هذه الآيات فيها تحقيق الفعل ب"قد"، كما يقول المؤذن تحقيقا وثبوتا: "قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة" فقوله تعالى: {قد يعلم ما أنتم عليه} أي: هو عالم به، مشاهد له، لا يعزب عنه مثقال ذرة، كما قال تعالى: {وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين * إنه هو السميع العليم} [الشعراء: 217-220] . وقال: {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في

الصفحة السابقة الصفحة التالية