تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 7
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج7 ص321
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وخدعهم، {ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر} أي: مالئوهم وناصحوهم في الباطن على الباطل، وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون؛ ولهذا قال الله عز وجل: {والله يعلم إسرارهم} أي: [يعلم] (1) ما يسرون وما يخفون، الله مطلع عليه وعالم به، كقوله: {والله يكتب ما يبيتون} [النساء: 81] .
ثم قال: {فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} أي: كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعصت الأرواح في أجسادهم، واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب، كما قال: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} الآية [الأنفال: 50] ، وقال: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم} أي: بالضرب {أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} [الأنعام: 93] ؛ ولهذا قال ها هنا: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم}
{أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (29) } {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم (30) ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم (31) } .
يقول تعالى: {أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم} أي: اعتقد (1) المنافقون أن الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين؟ بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يفهمهم (2) ذوو البصائر، وقد أنزل تعالى في ذلك سورة "براءة"، فبين فيها فضائحهم وما يعتمدونه من الأفعال الدالة على نفاقهم؛ ولهذا إنما كانت تسمى الفاضحة. والأضغان: جمع ضغن، وهو ما في النفوس من الحسد والحقد للإسلام وأهله والقائمين بنصره.
وقوله: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم} يقول تعالى: ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم، فعرفتهم (3) عيانا، ولكن لم يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين سترا منه على خلقه، وحملا للأمور على ظاهر السلامة، ورد السرائر إلى عالمها، {ولتعرفنهم في لحن القول} أي: فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم، يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول، كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه. وفي الحديث: "ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله
