تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 8
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج8 ص427
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وقوله: {ووجدك عائلا فأغنى} أي: كنت فقيرا ذا عيال، فأغناك الله عمن سواه، فجمع له بين مقامي، الفقير الصابر والغني الشاكر، صلوات الله وسلامه عليه.
وقال قتادة في قوله: {ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى} قال: كانت هذه منازل الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعثه الله، عز وجل. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وفي الصحيحين -من طريق عبد الرزاق-عن معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن (1) الغنى غنى النفس" (2) .
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه (3) الله بما آتاه" (4) .
ثم قال: {فأما اليتيم فلا تقهر} أي: كما كنت يتيما فآواك الله فلا تقهر اليتيم، أي: لا تذله وتنهره وتهنه، ولكن أحسن إليه، وتلطف به.
قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم.
{وأما السائل فلا تنهر} أي: وكما كنت ضالا فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد.
قال ابن إسحاق: {وأما السائل فلا تنهر} أي: فلا تكن جبارا، ولا متكبرا، ولا فحاشا، ولا فظا على الضعفاء من عباد الله.
وقال قتادة: يعني رد المسكين برحمة ولين.
{وأما بنعمة ربك فحدث} أي: وكما كنت عائلا فقيرا فأغناك الله، فحدث بنعمة الله عليك، كما جاء في الدعاء المأثور النبوي: "واجعلنا شاكرين لنعمتك (5) مثنين بها، قابليها، وأتمها علينا".
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نضرة قال: كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا الجراح بن مليح، عن أبي عبد الرحمن، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر: "من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله. والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر. والجماعة رحمة، والفرقة عذاب" (6) إسناد ضعيف.
