إعلام الموقعين عن رب العالمين — ج 2
ابن قيم الجوزية • أصول الفقه • ج2 ص132
تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية - ييروت
قال: قيل لحذيفة في قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] : أكانوا يعبدونهم؟ فقال: لا، ولكن كانوا يحلون لهم الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه.
وقال تعالى: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23] {قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} [الزخرف: 24] فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء، فقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون، وفي هؤلاء ومثلهم قال الله عز وجل: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب - وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} [البقرة: 166 - 167] وقال تعالى معاتبا لأهل الكفر وذاما لهم: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} [الأنبياء: 52] {قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} [الأنبياء: 53] وقال {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} [الأحزاب: 67] ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء، وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجلا فكفر وقلد آخر فأذنب وقلد آخر في مسألة فأخطأ وجهها كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه، وقال الله عز وجل: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} [التوبة: 115] .
قال: فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها، وهي الكتاب والسنة وما كان في معناهما بدليل جامع، ثم ساق من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إني لا أخاف على أمتي من بعدي إلا من أعمال ثلاثة، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: أخاف عليهم زلة العالم، ومن حكم جائر، ومن هوى متبع» وبهذا الإسناد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -» .
[مضار زلة العالم]
قلت: والمصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله وبيان زلة العالم ليبينوا بذلك فساد التقليد، وأن العالم قد يزل ولا بد؛ إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما
#
