إعلام الموقعين عن رب العالمين — ج 4
ابن قيم الجوزية • أصول الفقه • ج4 ص101
تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية - ييروت
بكل معروف، وينهون عن كل منكر، فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يفت فيها إلا من أخطأ منهم لم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف ولا نهى فيها عن منكر؛ إذ الصواب معروف بلا شك، والخطأ منكر من بعض الوجوه، ولولا ذلك لما صح التمسك بهذه الآية على كون الإجماع حجة، وإذا كان هذا باطلا علم أن خطأ من يعلم منهم في العلم إذا لم يخالفه غيره ممتنع، وذلك يقتضي أن قوله حجة.
الوجه الثامن: قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] قال غير واحد من السلف: هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا ريب أنهم أئمة الصادقين، وكل صادق بعدهم فيهم يأتم في صدقه، بل حقيقة صدقه اتباعه لهم وكونه معهم، ومعلوم أن من خالفهم في شيء وإن وافقهم في غيره لم يكن معهم فيما خالفهم فيه، وحينئذ فيصدق عليه أنه ليس معهم، فتنتفي عنه المعية المطلقة، وإن ثبت له قسط من المعية وفيما وافقهم فيه، فلا يصدق عليه أنه معهم بهذا القسط، وهذا كما نفى الله ورسوله الإيمان المطلق عن الزاني والشارب والسارق والمنتهب بحيث لا يستحق اسم المؤمن، وإن لم ينتف عنه مطلق الاسم الذي يستحق لأجله أن يقال: معه شيء من الإيمان، وهذا كما أن اسم الفقيه والعالم عند الإطلاق لا يقال لمن معه مسألة أو مسألتان من فقه وعلم، وإن قيل: معه شيء من العلم، ففرق بين المعية المطلقة ومطلق المعية، ومعلوم أن المأمور به الأول لا الثاني، فإن الله تعالى لم يرد منا أن نكون معهم في شيء من الأشياء، وأن نحصل من المعية ما يطلق عليه الاسم، وهذا غلط عظيم في فهم مراد الرب تعالى من أوامره؛ فإذا أمرنا بالتقوى والبر والصدق والعفة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحو ذلك لم يرد منا أن نأتي من ذلك بأقل ما يطلق عليه الاسم، وهو مطلق الماهية المأمور بها بحيث نكون ممتثلين لأمره إذا أتينا بذلك، وتمام تقرير هذا الوجه بما تقدم في تقرير الأمر بمتابعتهم سواء.
الوجه التاسع: قوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] ووجه الاستدلال بالآية أنه تعالى أخبر أنه جعلهم أمة خيارا عدولا، هذا حقيقة الوسط، فهم خير الأمم، وأعدلها في أقوالهم، وأعمالهم، وإرادتهم ونياتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة، والله
#
