كتاب الإيمان
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص141
تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني — المكتب الإسلامي، عمان، الأردن
لاتخذت عليه أجرا} [الكهف: 77] ، وهذا سؤال من جهة المعنى، فإن السؤال والطلب قد يكون بصيغة الشرط كما تقول: لو نزلت عندنا لأكرمناك، وإن بت الليلة عندنا أحسنت إلينا، ومنه قول آدم: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23] ، وقول نوح: {رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} [هود: 47] ومثله كثير؛ ولهذا قال موسى: {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني} [الكهف: 76] ، فدل على أنه سأله الثلاث قبل أن يحدث له الذكر، وهذا معصية لنهيه وقد دخل في قوله: {ولا أعصي لك أمرا} [الكهف: 69] ، فدل على أن عاصي النهي عاص الأمر، ومنه قوله تعالى: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54] ، وقد دخل النهي في الأمر، ومنه قوله: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} [النور: 63] ، وقوله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] ، فإن نهيه داخل في ذلك.
وقد تنازع الفقهاء في قول الرجل لامرأته: إذا عصيت أمري فأنت طالق، إذا نهاها فعصته هل يكون ذلك داخلا في أمره؟ على قولين: قيل: لا يدخل؛ لأن حقيقة النهي غير حقيقة الأمر، وقيل: يدخل؛ لأن ذلك يفهم منه في العرف معصية الأمر والنهي، وهذا هو الصواب؛ لأن ما ذكر في العرف هو حقيقة في اللغة والشرع، فإن الأمر المطلق من كل متكلم إذا قيل: أطع أمر فلان، أو فلان يطيع أمر فلان، أو لا يعصى أمره، فإنه يدخل فيه النهي؛ لأن الناهي آمر بترك المنهي عنه؛ فلهذا قال سبحانه: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} [البقرة: 42] ، ولم يقل: لا تكتموا الحق، فلم ينه عن كل منهما لتلازمها، وليست هذه [واو] الجمع التي يسميها الكوفيون [واو الصرف] كما قد يظنه بعضهم، فإنه كان يكون المعني: لا تجمعوا بينهما فيكون أحدهما وحده غير منهي عنه.
وأيضا، فتلك إنما تجيء إذا ظهر الفرق كقوله: {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} [آل عمران: 142] ، وقوله: {أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص} [الشورى: 34، 35] .
#