كتاب الإيمان
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص340
تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني — المكتب الإسلامي، عمان، الأردن
أصحابنا من قال بالموافاة، وشرط في الإيمان الحقيقي أن يوافي ربه به، ويختم عليه. ومنهم من لم يجعل ذلك شرطا فيه في الحال.
قال الأنصاري: لما ذكر أن معظم أئمة السلف، كانوا يقولون: الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، قال: الأكثرون من هؤلاء على القول بالموافاة، ومن قال بالموافاة، فإنما يقوله فيمن لم يرد الخبر بأنه من أهل الجنة، وأما من ورد الخبر بأنه من أهل الجنة، فإنه يقطع على إيمانه، كالعشرة من الصحابة. ثم قال: والذي اختاره المحققون: أن الإيمان هو التصديق، وقد ذكرنا اختلاف أقوالهم في الموافاة، وأن ذلك هل هو شرط في صحة الإيمان وحقيقته في الحال، وكونه معتدا عند الله به وفي حكمه، فمن قال: إن ذلك شرط فيه، يستثنون في الإطلاق في الحال، لا أنهم يشكون في حقيقة التوحيد والمعرفة، لكنهم يقولون: لا يدري أي الإيمان الذي نحن موصوفون به في الحال، هل هو معتد به عند الله؟ على معنى أنا ننتفع به في العاقبة، ونجتني من ثماره.
فإذا قيل لهم: أمؤمنون أنتم حقا، أو تقولون إن شاء الله؟ أو تقولون نرجو؟ فيقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله، يعنون بهذا الاستثناء، تفويض الأمر في العاقبة إلى الله سبحانه وتعالى وإنما يكون الإيمان إيمانا معتدا به في حكم الله، إذا كان ذلك علم الفوز وآية النجاة، وإذا كان صاحبه والعياذ بالله في حكم الله من الأشقياء، يكون إيمانه الذي تحلى به في الحال عارية، قال: ولا فرق عند الصائرين إلى هذا المذهب، بين أن يقول: أنا مؤمن من أهل الجنة قطعا، وبين أن يقول: أنا مؤمن حقا.
قلت: هذا إنما يجيء على قول من يجعل الإيمان متناولا لأداء الواجبات وترك المحرمات، فمن مات على هذا كان من أهل الجنة، وأما على قول الجهمية والمرجئة، وهو القول الذي نصره هؤلاء الذين نصروا قول جهم، فإنه يموت على الإيمان قطعا، ويكون كامل الإيمان عندهم، وهو مع هذا عندهم من أهل
#