كتاب الإيمان
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص339
تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني — المكتب الإسلامي، عمان، الأردن
وكثير من أهل الكلام في كثير مما ينصره لا يكون عارفا بحقيقة دين الإسلام في ذلك، ولا ما جاءت به السنة، ولا ما كان عليه السلف. فينصر ما ظهر من قولهم، بغير المآخذ التي كانت مآخذهم في الحقيقة بل بمآخذ أخر قد تلقوها عن غيرهم من أهل البدع، فيقع في كلام هؤلاء من التناقض والاضطراب والخطأ ما ذم به السلف مثل هذا الكلام وأهله، فإن كلامهم في ذم مثل هذا الكلام كثير. والكلام المذموم هو المخالف للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل وكذب، فهو مخالف للشرع والعقل، {وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا} [الأنعام: 115] .
فهؤلاء لما اشتهر عندهم عن أهل السنة أنهم يستثنون في الإيمان، ورأوا أن هذا لا يمكن إلا إذا جعل الإيمان هو ما يموت العبد عليه، وهو ما يوافي به العبد ربه، ظنوا أن الإيمان عند السلف هو هذا، فصاروا يحكون هذا عن السلف، وهذا القول لم يقل به أحد من السلف، ولكن هؤلاء حكوه عنهم بحسب ظنهم لما رأوا أن قولهم لا يتوجه إلا على هذا الأصل، وهم يدعون أن ما نصروه من أصل جهم في الإيمان، هو قول المحققين والنظار من أصحاب الحديث. ومثل هذا يوجد كثيرا في مذاهب السلف التي خالفها بعض النظار، وأظهر حجته في ذلك ولم يعرف حقيقة قول السلف، فيقول من عرف حجة هؤلاء دون السلف، أو من يعظمهم، لما يراه من تميزهم عليه: هذا قول المحققين. وقال المحققون: ويكون ذلك من الأقوال الباطلة، المخالفة للعقل مع الشرع، وهذا كثيرا ما يوجد في كلام بعض المبتدعين وبعض الملحدين، ومن آتاه الله علما وإيمانا، علم أنه لا يكون عند المتأخرين من التحقيق، إلا ما هو دون تحقيق السلف لا في العلم ولا في العمل، ومن كان له خبرة بالنظريات والعقليات، وبالعمليات، علم أن مذهب الصحابة دائما أرجح من قول من بعدهم، وأنه لا يبتدع أحد قولا في الإسلام إلا كان خطأ، وكان الصواب قد سبق إليه من قبله.
قال أبو القاسم الأنصاري، فيما حكاه عن أبي إسحاق الإسفرائيني، لما ذكر قول أبي الحسن وأصحابه في الإيمان، وصحح أنه تصديق القلب قال: ومن
#