شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إرشاد الفحول

الشوكاني • أصول الفقه • ج1 ص252

تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا — دار الكتاب العربي

واستدلوا أيضا بأن لفظ "افعل" إما أن يكون حقيقة في الوجوب فقط، أو في الندب فقط، أو في غيرهما، والأقسام الثلاثة الآخرة باطلة، فتعين الأول لأنه لو كان للندب فقط لما كان الواجب مأمورا به فيمتنع أن يكون الأمر للندب فقط، ولو كان لما لزم الجمع بين الراجح فعله مع جواز تركه، وبين الراجح فعله مع المنع من تركه والجمع بينهما محال، ولو كان حقيقة في غيرهما لزم أن يكون الواجب والمندوب غير مأمور بهما، وأن يكون الأمر حقيقة فيما لا "ترجيح"* فيه وهو باطل، ومعلوم أن الأمر يفيد رجحان الوجود على العدم، وإذا كان كذلك وجب أن يكون مانعا من الترك.

واستدل القائلون بأنها حقيقة في الندب بما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما هلك الذين من قبلكم من كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" 1 فرد ذلك إلى مشيئتنا وهو معنى الندب.

وأجيب عن هذا: بأنه دليل للقائلين بالوجوب لا للقائلين بالندب؛ لأن ما لا نستطيعه لا يجب علينا؛ وإنما يجب علينا ما نستطيعه، والمندوب لا حرج في تركه مع الاستطاعة.

واحتجوا أيضا: بأنه لا فرق بين قول القائل لعبده اسقني "وقوله"** أريد أن تسقيني "فإن أهل اللغة يفهمون من أحدهما ما يفهمون من الآخر. وأجيب عنه: بأن قوله: اسقني يفيد طلب، الفعل مع الإرادة، بخلاف قوله: أن تسقيني"*** فليس إلا مجرد الإخبار بكونه مريدا للفعل وليس فيه طلب للفعل، وهذا أشف ما احتجوا به مع كونه مدفوعا بما سمعت، وقد احتجوا بغير ذلك مما لا يفيد شيئا.

واحتج القائلون بأن صيغة الأمر مشتركة بين الوجوب والندب، أو بينهما وبين الإباحة اشتراكا لفظيا بأنه قد ثبت إطلاقها عليهما، أو عليها، والأصل في الإطلاق الحقيقة.

وأجيب بما تقدم، من أن المجاز أولى من الاشتراك، وأيضا كان يلزم أن تكون الصيغة

الصفحة السابقة الصفحة التالية