إرشاد الفحول
الشوكاني • أصول الفقه • ج1 ص34
تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا — دار الكتاب العربي
وهذه المسألة ليست على عمومها؛ إذ لا خلاف في أن مثل الجنب، والمحدث، مأموران بالصلاة، بل هي مفروضة في جزء منها، وهو أن الكفار مخاطبون بالشرائع، أي: بفروع العبادات عملا عند الأولين، لا عند الآخرين.
وقال قوم من الآخرين: هم مكلفون بالنواهي؛ لأنها أليق بالعقوبات الزاجرة، دون الأوامر.
والحق: ما ذهب إليه الأولون وبه قال الجمهور.
ولا خلاف في أنهم مخاطبون بأمر الإيمان؛ لأنه مبعوث إلى الكافة، وبالمعاملات أيضا.
والمراد بكونهم مخاطبين بفروع العبادات: أنهم مؤاخذون بها في الآخرة، مع عدم حصول الشرط الشرعي، وهو الإيمان.
استدل الأولون بالأوامر العامة كقوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} 1 ونحوها، وهم من جملة الناس.
واستدلوا أيضا بما ورد من الوعيد للكفار على الترك كقوله تعالى: {ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين} 2.
لا يقال: قولهم ليس بحجة، لجواز كذبهم؛ لأنا نقول: ولو كذبوا لكذبوا.
واستدلوا أيضا بقوله سبحانه: {وويل للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة} 3.
وقوله تعالى: {ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} 4.
والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا.
واستدل الآخرون بأنهم: لو كلفوا بها لصحت؛ لأن الصحة موافقة الأمر، "ولأمكن"* الامتثال؛ لأن الإمكان شرط، ولا يصح منهم؛ لأن الكفر مانع، ولا يمكن الامتثال حال الكفر، لوجود المانع، ولا بعده، وهو حال الموت، لسقوط الخطاب.
وأجيب: بأنه غير محل النزاع؛ لأن حالة الكفر ليست قيدا للفعل في مرادهم بالتكليف به