الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد
الإمام البيهقي • العقيدة والتوحيد • ص 259
تحقيق: أحمد عصام الكاتب — دار الآفاق الجديدة
منه واختلف أهل العلم في إعجاز القرآن منهم من قال إعجازه من جهة البلاغة وحسن اللفظ دون النظم ومنهم من قال إعجازه في نظمه دون لفظه فإن العرب قد تكلمت بألفاظه ومنهم من قال إعجازه في إخباره عن الحوادث وإنذاره بالكوائن في مستقبل الزمان ووقوعها على الصفة التي أنبأ عنها ومنهم من قال إعجازه في أن الله أعجز الناس عن الإتيان بمثله وصرف الهمم عن معارضته مع وقوع التحدي وتوفر الدواعي إليه لتكون آية للنبوة وعلامة لصدقه في دعواه
وقد ذهب بعض العلماء إلى إثبات الإعجاز للقرآن من جميع هذه الوجوه ولا معنى لقول من زعم أن الإعجاز في لفظه لأن الألفاظ مستعملة في كلام العرب ومتداولة في خطابها لأن البلاغة ليست في أعيان الأسماء ومفرد الألفاظ وحسب دون أن تكون هذه الأوضاع معتبرة بمحالها ومواضعها المصرفة إليها والمستعملة فيها
قال الشيخ أبو سليمان رحمه الله وبيان ذلك أن العرب قد تعرف لفظ الصدع في لغتها وتتكلم به في خطابها ثم إنك لا تجده مستعملا لهم في مثل قوله فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ويستعمل العرب اسم الضرب ثم لا تجد لهم مستعملا في مثل قوله فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا وكذلك لفظ النبذ ثم لا تجد لهم في مثل قوله تعالى فانبذ إليهم على سواء إلى ما يجمع هذا الكلام من الوجازة والاختصار وحذف المقتضى وإعمال الضمير والاقتصار على الوحي المفهم وكقوله تعالى وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإن حقيقته نخرج منه النهار إلا أن موضع البلاغة