الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد
الإمام البيهقي • العقيدة والتوحيد • ص 266
تحقيق: أحمد عصام الكاتب — دار الآفاق الجديدة
وحين امتنع أبو لهب من الإسلام وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أنزل الله عز وجل فيه تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب فمات أبو لهب على شركه وصلي النار بكفره وإنما نزلت وأبو لهب حي فلم يمكنه مع حرصه على تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقض كلمته أن يظهر الإسلام ليشكك الناس في النبي صلى الله عليه وسلم وفيما أخبرهم من شأنه ولا يجوز أن تقع هذه الأمور على الاتفاق وتستمر على الصدق فلا يختلف شيء منها إلا أن يكون من قبل الله علام الغيوب
وأما الصرفة والتعجيز مع توهم القدرة منهم على الإتيان بمثله فإنما يعلم ذلك بعدم المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة إليه وذلك ما لا يجوز أن يشك فيه عاقل من أنهم لو كانوا قادرين عليه لبادروا إليه مع حرصهم على إبطال دعوته ونقض كلمته ولما خرجوا في أمر إلى نصب القتال والتغرير بالأنفس وإتلاف الأموال ومفارقة الأهل والأوطان ولكان ذلك أيسر عليهم من مباشرة الخطوب ومقاساة هذه الشدائد والكروب فلما لم يفعلوه دل على عجزهم عن ذلك وسبيل هذا سبيل رجل عاقل اشتد به العطش وبحضرته ماء فجعل يتلوى من شدة الظمأ ولا يشرب الماء فلا يشك شاك أنه عاجز عن شربه أو ممنوع لسبب يعوقه عنه وأنه لم يتركه اختيارا مع توفر الدواعي له وشدة الحاجة منه إليه وهذا بين والحمد لله
ومن دلائل صدقه أنه كان من عقلاء الرجال عند أهل زمانه وقد قطع القول فيما أخبر عن ربه عز وجل بأنهم لا يأتون بمثل ما تحداهم به فقال فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فلولا علمه بأن ذلك من عند علام الغيوب وأنه لا يقع فيما أخبر عنه خلاف وإلا لم يأذن له