الاعتصام
الشاطبي • العقيدة والتوحيد • ج1 ص69
دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
وقال: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} (1)، فجعل الأمر محصورا بين أمرين: اتباع الذكر، واتباع الهوى.
وقال: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} (2)، وهي مثل ما قبلها، وتأملوا هذه الآية، فإنها صريحة في أن من لم يتبع هدى الله في هوى نفسه، فلا أحد أضل منه.
وهذا شأن المبتدع، فإنه اتبع هواه بغير هدى من الله، وهدى الله هو القرآن.
وما بينته الشريعة (3)، وبينته الآية أن اتباع الهوى (4) على ضربين:
أحدهما: أن يكون تابعا للأمر والنهي، فليس بمذموم، ولا صاحبه بضال، كيف وقد قدم الهدى (5) فاستنار به في طريق هواه، وهو شأن المؤمن التقي (6).
والآخر أن يكون هواه هو (7) المقدم بالقصد الأول، كان الأمر والنهي تابعين بالنسبة إليه أو غير تابعين، وهو المذموم.
والمبتدع قدم هوى نفسه على هدى (8) ربه (9)، فكان أضل الناس، وهو يظن أنه على هدى.
وقد انجر هنا معنى يتأكد التنبيه عليه، وهو أن الآيات (10) المذكورة عينت للاتباع في الأحكام الشرعية طريقين:
أحدهما: الشريعة، ولا مرية في أنها علم وحق وهدى، والآخر الهوى، وهو المذموم؛ لأنه لم يذكر في القرآن إلا في سياق (11) الذم، ولم يجعل ثم طريقا ثالثا، ومن تتبع الآيات ألفى ذلك كذلك.
ثم العلم الذي أحيل عليه، والحق الذي حمد إنما هو القرآن وما نزل من عند الله؛ كقوله تعالى: {قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} (12).
