مدارج السالكين — ج 1
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص215
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف بالله وبحقه من أن يحتج بالقدر على ترك أمره، ويقبل الاحتجاج به من أحد، ومع هذا فعذر أنسا بالقدر في حقه، وقال «لو قضي شيء لكان» فصلوات الله وسلامه عليه.
فهذا المعنى الثاني - وإن كان حقا - لكان ليس هو من شرائط التوبة، ولا من أركانها، ولا له تعلق بها، فإنه لو لم يقم أعذارهم في إساءتهم إليه لما نقص ذلك شيئا من توبته، فما أراد إلا المعنى الأول، وقد عرفت ما فيه.
ولا ريب أن صاحب المنازل إنما أراد أن يعذرهم بالقدر، ويقيم عليهم حكم الأمر، فينظر بعين القدر ويعذرهم بها، وينظر بعين الأمر ويحملهم عليها بموجبها، فلا يحجبه مطالعة الأمر عن القدر، ولا ملاحظة القدر عن الأمر.
فهذا - وإن كان حقا لا بد منه - فلا وجه لعذرهم، وليس عذرهم من التوبة في شيء البتة، ولو كان صحيحا - فضلا عن كونه باطلا - فلا هم معذورون، ولا طلب عذرهم من حقائق التوبة، بل التحقيق أن الغيرة لله، والغضب له، من حقائق التوبة، فتعطيل عذر الخليقة في مخالفة الأمر والنهي، وشدة الغضب: هو من علامات تعظيم الحرمة، وذلك بأن يكون من حقائق التوبة أولى من عذر مخالفة الأمر والنهي.
ولا سيما أنه يدخل في هذا عذر عباد الأصنام والأوثان، وقتلة الأنبياء، وفرعون وهامان، ونمرود بن كنعان، وأبي جهل وأصحابه، وإبليس وجنوده، وكل كافر وظالم، ومتعد حدود الله، ومنتهك محارم الله، فإنهم كلهم تحت القدر، وهم من الخليقة، أفيكون عذر هؤلاء من حقيقة التوبة؟
فهذا مما أوجبه السير في طريق الفناء في توحيد الربوبية، وجعله الغاية التي يشمر إليها السالكون.
ثم أي موافقة للمحبوب في عذر من لا يعذره هو؟ بل قد اشتد غضبه عليه، وأبعده عن قربه، وطرده عن بابه، ومقته أشد المقت؟ فإذا عذرته، فهل يكون عذره إلا تعرضا لسخط المحبوب، وسقوطا من عينه؟ .
#
