شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 1

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص34

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

فوصفه بالاستقامة يتضمن قربه، لأن الخط المستقيم هو أقرب خط فاصل بين نقطتين، وكلما تعوج طال وبعد، واستقامته تتضمن إيصاله إلى المقصود، ونصبه لجميع من يمر عليه يستلزم سعته، وإضافته إلى المنعم عليهم ووصفه بمخالفة صراط أهل الغضب والضلال يستلزم تعينه طريقا.

والصراط تارة يضاف إلى الله، إذ هو الذي شرعه ونصبه، كقوله تعالى {وأن هذا صراطي مستقيما} [الأنعام: 153] وقوله {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله} [الشورى: 52] وتارة يضاف إلى العباد كما في الفاتحة، لكونهم أهل سلوكه، وهو المنسوب لهم، وهم المارون عليه.

الموضع الثامن: من ذكر المنعم عليهم، وتمييزهم عن طائفتي الغضب والضلال.

فانقسم الناس بحسب معرفة الحق والعمل به إلى هذه الأقسام الثلاثة، لأن العبد إما أن يكون عالما بالحق، وإما جاهلا به، والعالم بالحق إما أن يكون عاملا بموجبه أو مخالفا له، فهذه أقسام المكلفين لا يخرجون عنها البتة، فالعالم بالحق العامل به هو المنعم عليه، وهو الذي زكى نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وهو المفلح {قد أفلح من زكاها} [الشمس: 9] والعالم به المتبع هواه هو المغضوب عليه، والجاهل بالحق هو الضال، والمغضوب عليه ضال عن هداية العمل، والضال مغضوب عليه لضلاله عن العلم الموجب للعمل، فكل منهما ضال مغضوب عليه، ولكن تارك العمل بالحق بعد معرفته به أولى بوصف الغضب وأحق به، ومن هنا كان اليهود أحق به، وهو متغلظ في حقهم، كقوله تعالى في حقهم {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب} [البقرة: 90] وقال تعالى {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل} [المائدة: 60] والجاهل بالحق أحق باسم الضلال، ومن هنا وصفت النصارى به في قوله تعالى {قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} [المائدة: 77]

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية