مدارج السالكين — ج 2
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج2 ص100
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله - فقال الجنيد: إن هذا كلام قوم تكلموا بإسقاط الأعمال عن الجوارح. وهو عندي عظيمة. والذي يزني ويسرق أحسن حالا من الذي يقول هذا. فإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله. وإليه رجعوا فيها. ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة، إلا أن يحال بي دونها.
وقال: الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقال: من لم يحفظ القرآن، ويكتب الحديث لا يقتدى به في طريقنا هذا؛ لأن طريقنا وعلمنا مقيد بالكتاب والسنة.
وقال: علمنا هذا مشيد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والبلية التي عرضت لهؤلاء: أن أحكام العلم تتعلق بالعلم وتدعو إليه. وأحكام الحال تتعلق بالكشف. وصاحب الحال ترد عليه أمور ليست في طور العلم. فإن أقام عليها ميزان العلم ومعياره، تعارض عنده العلم والحال، فلم يجد بدا من الحكم على أحدهما بالإبطال. فمن حصلت له أحوال الكشف، ثم جنح إلى أحكام العلم. فقد رجع القهقرى، وتأخر في سيره إلى وراء.
فتأمل هذا الوارد، وهذه الشبهة التي هي سم ناقع تخرج صاحبها من المعرفة والدين كإخراج الشعرة من العجين.
واعلم أن المعرفة الصحيحة هي روح العلم. والحال الصحيح هو روح العمل المستقيم. فكل حال لا يكون نتيجة العمل المستقيم مطابقا للعلم فهو بمنزلة الروح الخبيثة الفاجرة. ولا ينكر أن يكون لهذه الروح أحوال، لكن الشأن في مرتبة تلك الأحوال ومنازلها. فمتى عارض الحال حكم من أحكام العلم، فذلك الحال إما فاسد وإما ناقص. ولا يكون مستقيما أبدا.
فالعلم الصحيح، والعلم المستقيم: هما ميزان المعرفة الصحيحة، والحال الصحيح، وهما كالبدنين لروحيهما.
فأحسن ما يحمل عليه قوله: " أن يجنح الحال إلى العلم " أن العلم يدعو إلى التفرقة دائما. والحال يدعو إلى الجمعية. والقلب بين هذين الداعيين. فهو يجيب هذا مرة وهذا مرة. فتهذيب الحال وتصفيته: أن يجيب داعي الحال لا داعي العلم. ولا يلزم من هذا إعراضه عن العلم، وعدم تحكيمه والتسليم له، بل هو متعبد بالعلم، محكم له،
#
