مدارج السالكين — ج 3
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص105
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
جوابه، أن يقال: بقي قسم ثالث، لم تذكروه. وهو أنه قدر بسببه. فإن وجد سببه وجد ما رتب عليه. وإن لم يوجد سببه لم يوجد.
ومن أسباب المطلوب: الدعاء والطلب اللذين إذا وجدا وجد ما رتب عليهما. كما أن من أسباب الولد: الجماع. ومن أسباب الزرع: البذر. ونحو ذلك. وهذا القسم الثالث هو الحق.
ويقال للطائفة الثانية: لا موجب إلا مشيئة الله تعالى. وليس هاهنا سبب مستقل غيرها. فهو الذي جعل السبب سببا. وهو الذي رتب على السبب حصول المسبب. ولو شاء لأوجده بغير ذلك السبب. وإذا شاء منع سببية السبب، وقطع عنه اقتضاء أثره. وإذا شاء أقام له مانعا يمنعه عن اقتضاء أثره، مع بقاء قوته فيه. وإذا شاء رتب عليه ضد مقتضاه وموجبه.
فالأسباب طوع مشيئته سبحانه وقدرته، وتحت تصرفه وتدبيره. يقلبها كيف شاء. فهذا أحد المعنيين في كلامه.
والمعنى الثاني: أن من لاحظ بعين قلبه ما سبق له من ربه من جزيل الفضل والإحسان والبر من غير معاوضة، ولا سبب من العبد أصلا. فإنه سبقت له تلك السابقة وهو في العدم. لم يكن شيئا ألبتة - شغلته تلك الملاحظة بطلب الله ومحبته وإرادته عن الطلب منه. وقطعت عليه طريق السؤال، اشتغالا بذكره وشكره، ومطالعة منته عن مسألته. لا لأن مسألته والطلب منه نقص. بل لأنه في هذه الحال لا يتسع للأمرين، بل استغراقه في شهود المنة وسبق الفضل قطع عليه طريق الطلب والسؤال. وهذا لا يكون مقاما لازما له لا يفارقه. بل هذا حكمه في هذه الحال. والله أعلم.
فصل قوله: وينبت السرور، إلا ما يشوبه من حذر المكر.
يعني: أن هذا اللحظ من العبد ينبت له السرور، إذا علم أن فضل ربه قد سبق له بذلك قبل أن يخلقه، مع علمه به وبأحواله وتقصيره، على التفصيل. ولم يمنعه علمه به: أن يقدر له ذلك الفضل والإحسان. فهو أعلم به إذ أنشأه من الأرض، وإذ هو جنين في بطن أمه. ومع ذلك فقدر له من الفضل والجود ما قدره بدون سبب منه. بل مع علمه بأنه يأتي من الأسباب ما يقتضي قطع ذلك ومنعه عنه.
فإذا شاهد العبد ذلك: اشتد سروره بربه، وبمواقع فضله وإحسانه. وهذا فرح محمود غير مذموم. قال الله تعالى {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} [يونس: 58]
#
