شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 3

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص106

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

ففضله: الإسلام والإيمان، ورحمته: العلم والقرآن. وهو يحب من عبده: أن يفرح بذلك ويسر به. بل يحب من عبده: أن يفرح بالحسنة إذا عملها وأن يسر بها. وهو في الحقيقة فرح بفضل الله، حيث وفقه الله لها، وأعانه عليها ويسرها له. ففي الحقيقة: إنما يفرح العبد بفضل الله وبرحمته.

ومن أعظم مقامات الإيمان: الفرح بالله، والسرور به. فيفرح به إذ هو عبده ومحبه. ويفرح به سبحانه ربا وإلها، ومنعما ومربيا، أشد من فرح العبد بسيده المخلوق المشفق عليه، القادر على ما يريده العبد ويطلبه منه. المتنوع في الإحسان إليه، والذب عنه.

وسيأتي عن قريب - إن شاء الله - تمام هذا المعنى في باب السرور.

قوله " إلا ما يشوبه من حذر المكر " أي يمازجه. فإن السرور والفرح يبسط النفس وينميها. وينسيها عيوبها وآفاتها ونقائصها. إذ لو شهدت ذلك وأبصرته لشغلها ذلك عن الفرح.

وأيضا فإن الفرح بالنعمة قد ينسيه المنعم. فيشتغل بالخلعة التي خلعها عليه عنه. فيطفح عليه السرور، حتى يغيب بنعمته عنه. وهنا يكون المكر إليه أقرب من اليد للفم.

ولله كم هاهنا من مسترد منه ما وهب له عزة وحكمة! وربما كان ذلك رحمة به. إذ لو استمر على تلك الولاية لخيف عليه من الطغيان. كما قال تعالى {كلا إن الإنسان ليطغى - أن رآه استغنى} [العلق: 6 - 7] فإذا كان هذا غنى بالحطام الفاني، فكيف بالغنى بما هو أعلى من ذلك وأكثر؟ فصاحب هذا إن لم يصحبه حذر المكر: خيف عليه أن يسلبه وينحط عنه.

و " المكر " الذي يخاف عليه منه: أن يغيب الله سبحانه عنه شهود أوليته في ذلك ومنته وفضله، وأنه محض منته عليه، وأنه به وحده، ومنه وحده. فيغيب عن شهود حقيقة قوله تعالى {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل: 53] وقوله {قل إن الأمر كله لله} [آل عمران: 154] وقوله {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم} [يونس: 107]

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية