شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 3

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص115

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

فمن السالكين: من يكون سيره ببدنه وجوارحه أغلب عليه من سيره بقلبه وروحه.

ومنهم: من سيره بقلبه أغلب عليه، أعني قوة سيره وحدته.

ومنهم - وهم الكمل الأقوياء - من يعطي كل مرتبة حقها. فيسير إلى الله ببدنه وجوارحه، وقلبه وروحه.

وقد أخبر الله سبحانه عن صفوة أوليائه بأنهم دائما في مقام الإرادة له. فقال تعالى {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} [الأنعام: 52] وقال تعالى {وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى} [الليل: 19] فالعبد أخص أوصافه، وأعلى مقاماته: أن يكون مريدا صادق الإرادة، عبدا في إرادته. بحيث يكون مراده تبعا لمراد ربه الديني منه. ليس له إرادة في سواه.

وقد يحمل كلام الشيخ على معنى آخر، وهو: أن يكون معنى قوله " إن ملاحظة عين الجمع توقظ الاستهانة بالمجاهدات " أنه يوقظه من نوم الاستهانة بالمجاهدات، وتكون اللام للتعليل. أي يوقظه من سنة التقصير. لاستهانته بالمجاهدات. وهذا معنى صحيح في نفسه فإن العبد كلما كان إلى الله أقرب كان جهاده في الله أعظم. قال الله تعالى {وجاهدوا في الله حق جهاده} [الحج: 78] .

وتأمل أحوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. فإنهم كانوا كلما ترقوا من القرب في مقام: عظم جهادهم واجتهادهم: لا كما ظنه بعض الملاحدة المنتسبين إلى الطريق، حيث قال: القرب الحقيقي تنقل العبد من الأحوال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة. ويريح الجسد والجوارح من كد العمل.

وهؤلاء أعظم كفرا وإلحادا. حيث عطلوا العبودية. وظنوا أنهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة، التي هي من أماني النفس، وخدع الشيطان. وكأن قائلهم إنما عنى نفسه، وذوي مذهبه بقوله:

رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم ... وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا

فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم ... وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية