مدارج السالكين — ج 3
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص126
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
بأواخرها. والأعمال بخواتيمها، والعاقبة مستورة. كما قيل:
لا يغرنك صفا الأوقات ... فإن تحتها غوامض الآفات
فكم من ربيع نورت أشجاره، وتفتحت أزهاره، وزهت ثماره، لم يلبث أن أصابته جائحة سماوية. فصار كما قال الله عز وجل {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها} [يونس: 24]- إلى قوله - {يتفكرون} [يونس: 24] .
فكم من مريد كبا به جواد عزمه ... فخر صريعا لليدين وللفم
وقيل لبعضهم - وقد شوهد منه خلاف ما كان يعهد عليه -: ما الذي أصابك؟ فقال: حجاب وقع، وأنشد:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر
ليس العجب ممن هلك كيف هلك؟ إنما العجب ممن نجا كيف نجا؟
تعجبين من سقمي ... صحتي هي العجب
الناكصون على أعقابهم أضعاف أضعاف من اقتحم العقبة:
خذ من الألف واحدا ... واطرح الكل من بعده.
وأما أصحاب الوقت: فلم يشتغلوا بالسوابق، ولا بالعواقب. بل اشتغلوا بمراعاة الوقت، وما يلزمهم من أحكامه. وقالوا: العارف ابن وقته. لا ماضي له ولا مستقبل.
ورأى بعضهم الصديق - رضي الله عنه - في منامه. فقال له: أوصني. فقال له: كن ابن وقتك.
وأما أصحاب الحق: فهم مع صاحب الوقت والزمان، ومالكهما ومدبرهما. مأخوذون بشهوده عن مشاهدة الأوقات. لا يتفرغون لمراعاة وقت ولا زمان. كما قيل:
لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلى
لو تفرغت لاستطالة ليلي ... ولرعي النجوم كنت مخلى
#
