شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 3

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص156

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

لكفى به عقوبة، فكيف؟ وأقل عقوبته: أن يبتلى بصحبة المنقطعين ومعاشرتهم وخدمتهم. فتصير أوقاته - التي هي مادة حياته - ولا قيمة لها، مستغرقة في قضاء حوائجهم، ونيل أغراضهم. وهذه عقوبة قلب ذاق حلاوة الإقبال على الله والجمعية عليه والأنس به. ثم آثر على ذلك سواه. ورضي بطريقة بني جنسه، وما هم عليه. ومن له أدنى حياة في قلبه ونور فإنه يستغيث قلبه من وحشة هذا التفرق. كما تستغيث الحامل عند ولادتها.

ففي القلب شعث، لا يلمه إلا الإقبال على الله. وفيه وحشة، لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته.

وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته.

وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار منه إليه.

وفيه نيران حسرات: لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه.

وفيه طلب شديد: لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه.

وفيه فاقة: لا يسدها إلا محبته، والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له. ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدا.

فالتفرق يوقع وحشة الحجاب. وألمه أشد من ألم العذاب. قال الله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم} [المطففين: 15] . فاجتمع عليهم عذاب الحجاب وعذاب الجحيم.

و " الذوق " الذي يذهب وحشة هذا التفرق: هو الذوق الذي ذكره الشيخ في قوله: ذوق الإرادة طعم الأنس. فلا يعلق به شاغل. ولا يفسده عارض. ولا تكدره تفرقة.

[فصل الدرجة الثانية سرور شهود]

فصل

قال: الدرجة الثانية: سرور شهود. كشف حجاب العلم، وفك رق التكليف. ونفى صغار الاختيار.

يريد: أن العلم حجاب على المعرفة. فشهود كشف ذلك الحجاب، حتى

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية