شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 3

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص157

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

يفضي القلب إلى المعرفة: يوجب سرورا.

و " العلم " عند هذه الطائفة: استدلال. والمعرفة ضرورية. فالعلم: له الخبر. والمعرفة: لها العيان، فالعلم عندهم حجاب على المعرفة، وإن كان لا يوصل إليها إلا بالعلم. والعلم لها كالصوان لما تحته، فهو حجاب عليه. ولا يوصل إليه إلا منه.

ومثال هذا: أنك إذا رأيت في حومة ثلج ثقبا خاليا: استدللت به على أن تحته حيوانا يتنفس، فهذا علم. فإذا حفرته، وشاهدت الحيوان. فهذه معرفة.

قوله " وفك رق التكليف " عبارة قلقة، غير سديدة. و " رق التكليف " لا يفك إلى الممات. وكلما تقدم العبد منزلا شاهد من رق تكليفه ما لم يكن شاهده من قبل، فرق التكليف: أمر لازم للمكلف ما بقي في هذا العالم.

والذي يتوجه عليه كلامه: أن السرور بالذوق - الذي أشار إليه - يعتق العبد من رق التكليف، بحيث لا يعده تكليفا. بل تبقى الطاعات غذاء لقلبه، وسرورا له، وقرة عين في حقه، ونعيما لروحه. يتلذذ بها، ويتنعم بملابستها أعظم مما يتنعم بملابسة الطعام والشراب واللذات الجسمانية. فإن اللذات الروحانية القلبية أقوى وأتم من اللذات الجسمانية. فلا يجد في أوراد العبادة كلفة. ولا تصير تكليفا في حقه. فإن ما يفعله المحب الصادق، ويأتي به في خدمة محبوبه: هو أسر شيء إليه. وألذه عنده. ولا يرى ذلك تكليفا، لما في التكليف: من إلزام المكلف بما فيه كلفة ومشقة عليه. والله سبحانه إنما سمى أوامره ونواهيه: وصية، وعهدا، وموعظة، ورحمة ولم يطلق عليها اسم التكليف إلا في جانب النفي كقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] . ووقوع الوسع بعد الاستثناء من التكليف لا يوجب وقوع الاسم عليه مطلقا. فهذا أقرب ما يؤول به كلامه.

على أن للملحد هاهنا مجالا. وهو أن هذه الحال: إنما هي لأقوام انتقلت عباداتهم من ظواهرهم إلى بواطنهم. فانتقل حكم أورادهم إلى وارداتهم. فاستغنوا بالواردات عن الأوراد، وبالحقائق عن الرسوم، وبالمعاني عن الصور. فخلصوا من رق التكليف المختص بالعلم، وقاموا بالحقيقة التي يقتضيها الحكم. وهكذا الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل.

قوله: " ونفى صغار الاختيار " يريد به: أن العبد متى كان مربوطا باختياراته،

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية