مدارج السالكين — ج 3
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص158
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
محبوسا في سجن إراداته، فهو في ذل وصغار، فإذا وصل إلى هذه الدرجة: انتفى عنه صغار الاختيار. وبقي من جملة الأحرار.
فيا لها من عبودية أوجبت حرية، وحرية كملت عبودية.
فيصير واقفا مع ما يختار الله له، لا مع ما يختاره هو لنفسه. بل يصير مع الله بمنزلة من لا اختيار له ألبتة. فمن كان محجوبا بالعلم عن المعرفة: نازعته اختياراته، ونازعها، فهو معها في ذل وصغار. ومتى أفضى إلى المعرفة، وكشف له عن حجابها: شاهد البلاء نعيما، والمنع عطاء، والذل عزا، والفقر غنى. فانقاد باطنه لأحكام المعرفة، وظاهره لأحكام العلم.
على أن للملحد هاهنا مجالا، قد جال فيه هو وطائفته. فقال: هذا يوجب الانقياد لأحكام المعرفة، والتخلص والراحة من أحكام العلم. وقد قيل: إن العالم يسعطك الخل والخردل. والعارف ينشقك المسك والعنبر.
قال: ومعنى هذا: أنك مع العالم في تعب. ومع العارف في راحة. لأن العارف يبسط عذر العوالم والخلائق. والعالم يلوم. وقد قيل: من نظر إلى الناس بعين العلم مقتهم. ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم.
فانظر ما تضمنه هذا الكلام الذي ملمسه ناعم. وسمه زعاف قاتل، من الانحلال عن الدين ودعوى الراحة من حكم العبودية والتماس الأعذار لليهود والنصارى، وعباد الأوثان والظلمة والفجرة، وأن أحكام الأمر والنهي - الواردين على ألسن الرسل - للقلوب بمنزلة سعط الخل والخردل، وأن شهود الحقيقة الكونية الشاملة للخلائق، والوقوف معها، والانقياد لحكمها: بمنزلة تنشيق المسك والعنبر.
فليهن الكفار والفجار والفساق: انتشاق هذا المسك والعنبر، إذا شهدوا هذه الحقيقة وانقادوا لحكمها.
ويا رحمة للأبرار المحكمين لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من كثرة سعوطهم بالخل والخردل.
فإن قوله صلى الله عليه وسلم: هذا يجوز وهذا لا يجوز. وهذا حلال، وهذا حرام. وهذا يرضي الله وهذا يسخطه: خل وخردل، عند هؤلاء الملاحدة. وإلا فالحقيقة تشهدك الأمر بخلاف ذلك. ولذلك إذا نظرت - عندهم - إلى الخلق بعين الحقيقة: عذرت الجميع. فتعذر من توعده الله ورسوله أعظم الوعيد. وتهدده أعظم التهديد.
#
