شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 3

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص171

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

ألف الخمول صيانة وتسترا ... فكأنما تعريفه أن ينكرا

وكأنه كلف الفؤاد بنفسه ... فحمته غيرته عليها أن ترى

قوله: وأدب فيهم يصونهم، بهذا يتم أمرهم،

وهو أن يقوم بهم أدب يصونهم عن ظن السوء بهم، ويصونهم عن دناءة الأخلاق والأعمال، فأدبهم صوان على أحوالهم، فهمته العلية ترتفع به، وأدبه يرسو به إلى التراب، كما قيل:

أبلج سهل الأخلاق ممتنع ... يبرزه الدهر وهو يحتجب

إذا ترقت به عزائمه ... إلى الثريا رسا به الأدب

فأدب المريد والسالك: صوان له، وتاج على رأسه.

قوله: " وظرف يهذبهم " التهذيب: هو التأديب والتصفية. و " الظرف " في هذه الطائفة: أحلى من كل حلو. وأزين من كل زين. فما قرن شيء إلى شيء أحسن من ظرف إلى صدق وإخلاص، وسر مع الله وجمعية عليه، فإن أكثر من عني بهذا الشأن تضيق نفسه وأخلاقه عن سوى ما هو بصدده، فتثقل وطأته على أهله وجليسه، ويضمن عليه ببشره، والتبسط إليه، ولين الجانب له. ولعمر الله إنه لمعذور، وإن لم يكن في ذلك بمشكور، فإن الخلق كلهم أغيار، إلا من أعانك على شأنك وساعدك على مطلوبك.

فإذا تمكن العبد في حاله وصار له إقبال على الله وجمعية عليه ملكة ومقاما راسخا أنس بالخلق وأنسوا به، وانبسط إليهم وحملهم على ضلعهم وبطء سيرهم، فعكفت القلوب على محبته للطفه وظرفه، فإن الناس ينفرون من الكثيف ولو بلغ في الدين ما بلغ، ولله ما يجلب اللطف والظرف من القلوب، ويدفع عن صاحبه من الشر، ويسهل له ما توعر على غيره، فليس الثقلاء بخواص الأولياء، وما ثقل أحد على قلوب الصادقين المخلصين إلا من آفة هناك، وإلا فهذه الطريق تكسو العبد حلاوة ولطافة وظرفا، فترى الصادق فيها من أحلى الناس وألطفهم وأظرفهم، قد زالت عنه ثقالة النفس وكدورة الطبع، وصار روحانيا سمائيا بعد أن كان حيوانيا أرضيا، فتراه أكرم الناس عشرة، وألينهم عريكة، وألطفهم قلبا وروحا، وهذه خاصة المحبة، فإنها تلطف وتظرف وتنظف.

ومن ظرف أهل هذه الطبقة: أن لا يظهر أحدهم على جليسه بحال ولا مقام.

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية