مجموع الفتاوى — ج 5
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج5 ص346
تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي — مكتبة ابن تيمية
فصل
وتمام الكلام في هذا الباب انك تعلم انا لا نعلم ما غاب عنا الا بمعرفة ما شهدناه فنحن نعرف اشياء بحسنا الظاهر أو الباطن وتلك معرفة معينة مخصوصة ثم انا بعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد فيبقى في اذهاننا قضايا عامة كلية ثم اذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا الا بمعرفة المشهود لنا
فلولا أنا نشهد من أنفسنا جوعا وعطشا وشبعا وريا وحبا وبغضا ولذة والما ورضى وسخطا لم نعرف حقيقة ما نخاطب به اذا وصف لنا ذلك وأخبرنا به عن غيرنا
وكذلك لو لم نعلم ما في الشاهد حياة وقدرة وعلما وكلاما لم نفهم ما نخاطب به اذا وصف الغائب عنا بذلك وكذلك لو لم نشهد موجودا لم نعرف وجود الغائب عنا فلابد فيما شهدناه وما غاب عنا من قدر مشترك هو مسمى اللفظ المتواطىء فبهذه الموافقة والمشاركة والمشتبهة والمواطأة نفهم الغائب ونثبته وهذا خاصة العقل
ولولا ذلك لم نعلم الا ما نحسه ولم نعلم أمورا عامة ولا أمورا غائبة عن أحساسنا الظاهرة والباطنة ولهذا من لم يحس الشيء ولا نظيره لم يعرف حقيقته
