مجموع الفتاوى — ج 8
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج8 ص374
تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي — مكتبة ابن تيمية
و التحقيق أنه قد يكون قادرا بالقدرة الأولى الشرعية المتقدمة على الفعل فإن الله قادر أيضا على خلاف المعلوم والمراد وإلا لم يكن قادرا إلا على ما فعله وليس العبد قادرا على ذلك بالقدرة المقارنة للفعل فإنه لا يكون إلا ما علم الله كونه وأراد كونه فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكذلك قول الحواريين ( هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ) إنما إستفهموا عن هذه القدرة وكذلك ظن يونس أن لن نقدر عليه أي فسر بالقدرة كما يقال للرجل هل تقدر أن تفعل كذا أي هل تفعله وهو مشهور في كلام الناس
ولما إعتقدت القدرية أن الأولى كافية في حصول الفعل وأن العبد يحدث مشيئته جعله مستغنيا عن الله حين الفعل كما أن الجبرية لما إعتقدت أن الثانية موجبة للفعل وهي من غيره راوه مجبورا على الفعل وكلاهما خطأ قبيح فإن العبد له مشيئة وهي تابعة لمشيئة الله كما ذكر الله ذلك في عدة مواضع من كتابه ( فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله ) ( فمن شاء إتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ) ( لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين )
فإذا كان الله قد جعل العبد مريدا مختارا شائيا إمتنع أن يقال هو مجبور مقهور مع كونه قد جعل مريدا وإمتنع أن يكون هو الذي إبتدع لنفسه المشيئة فإذا قيل هو مجبور على أن يختار مضطر إلى أن يشاء فهذا لا نظير له
