مفتاح دار السعادة
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص157
دار الكتب العلمية - بيروت
الى ثلاثة اصول اعتقاد وفعل وترك فالواجب في الاعتقاد مطابقته للحق في نفسه والواجب في العمل معرفته وموافقة حركات العبد الظاهرة والباطنة الاختيارية للشرع امرا وإباحة والواجب في الترك معرفة موافقة الكف والسكون لمرضات الله وان المطلوب منه إبقاء هذا الفعل على عدمه المستصحب فلا يتحرك في طلبه او كف النفس عن فعله على الطريقتين وقد دخل في هذه الجملة علم حركات القلوب والابدان وأما فرض الكفاية فلا اعلم فيه ضابطا صحيحا فان كل احد يدخل في ذلك ما يظنه فرضا فيدخل بعض الناس في ذلك علم الطب وعلم الحساب وعلم الهندسة والمساحة وبعضهم يزيد على ذلك علم اصول الصناعة كالفلاحة والحياكة والحدادة والخياطة ونحوها وبعضهم يزيدعلى ذلك علم المنطق وربما جعله فرض عين وبناه على عدم صحة إيمان المقلد وكل هذا هوس وخبط فلا فرض إلا ما فرضه الله ورسوله فيا سبحان الله هل فرض الله على كل مسلم ان يكون طبيبا حجاما حاسبا مهندسا او حائكا او فلاحا او نجارا او خياطا فإن فرض الكفاية كفرض العين في تعلقه بعموم المكلفين وإنما يخالفه في سقوطه بفعل البعض ثم على قول هذا القائل يكون الله قد فرض على كل احد جملة هذه الصنائع والعلوم فإنه ليس واحد منها فرضا على معين والآخر على معين آخر بل عموم فرضيتها مشتركة بين العموم فيجب على كل احد ان يكون حاسبا حائكا خياطا نجارا فلاحا طبيبا مهندسا فان قال المجموع فرض على المجموع لم يكن قولك إن كل واحد منها فرض كفاية صحيحا لان فرض الكفاية يجب على العموم واما المنطق فلو كان علما صحيحا كان غايته ان يكون كالمساحة والهندسة ونحوها فكيف وباطله اضعاف حقه وفساده وتناقض اصوله واختلاف مبانيه توجب مراعاتها الذهن ان يزيغ في فكره ولا يؤمن بهذا الا من قد عرفه وعرف فساده وتناقضه ومناقضة كثير منه لعقل الصريح واخبر بعض من كان قد قرأه وعني به انه لم يزل متعجبا من فساد اصوله وقواعده ومبانيها لصريح المعقول وتضمنها لدعاوي محضة غير مدلول عليها وتفريقه بين متساوين وجمعه بين مختلفين فيحكم على الشيء بحكم وعلى نظيره بضد ذلك الحكم او يحكم على الشيء بحكم ثم يحكم على مضاده او مناقضه به قال الى ان سالت بعض رؤسائه وشيوخ اهله عن شيء من ذلك فانكر فيه ثم قال هذا علم قد صقلته الاذهان ومرت عليه من عهد القرون الاوائل او كما قال فينبغي ان نتسلمه من اهله وكان هذا من افضل ما رأيت في المنطق قال الى ان وقفت على رد متكلمي الاسلام عليه وتبيين فساده وتناقضه فوقفت على مصنف لابي سعيد السيرافي النحوي في ذلك وعلى رد كثير من اهل الكلام والعربية عليهم كالقاضي ابي بكر بين الطيب والقاضي عبد الجبار والجبائي وابنه وابي المعالي وابي القاسم الانصاري
#
