مفتاح دار السعادة
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص256
دار الكتب العلمية - بيروت
التدبير وانت جنين في بطن امك في موضع لا يد تنالك ولا بصر يدركك ولا حيلة لك في التماس الغذاء ولا في دفع الضرر فمن الذي اجرى اليك من دم الام ما يغذوك كما يغذو الماء النبات وقلب ذلك الدم لبنا ولم يزل يغذيك به في اضيق المواضع وابعدها من حيلة التكسب والطلب حتى إذا كمل خلقك واستحكم وقوى اديمك على مباشرة الهواء وبصرك على ملاقاة الضياء وصلبت عظامك على مباشرة الايدي والتقلب على الغبراء هاج الطلق بأمك فازعجك الى الخروج إيما ازعاج الى عالم الابتلاء فركضك الرحم ركضة من مكانك كأنه لم يضمك قط ولم يشتمل عليك فيما بعد ما بين ذلك القبول والاشتمال حين وضعت نطفة وبين هذا الدفع والطرد والاخراج وكان مبتهجا بحملك فصار يستغيث ويعج الى ربك من ثقلك فمن الذي فتح لك بابه حتى ولجت ثم ضمه عليك حتى حفظت وكملت ثم فتح لك ذلك الباب ووسعه حتى خرجت منه كلمح البصر لم يخنقك ضيقه ولم تحبسك صعوبة طريقك فيه فلو تأملت حالك في دخولك من ذلك الباب وخروجك منه لذهب بك العجب كل مذهب فمن الذي اوحى اليه ان يتضايق عليك وانت نطفة حتى لاتفسد هناك واوحى اليه ان يتسع لك وينفسح حتى تخرج منه سليما الى ان خرجت فريدا وحيدا ضعيفا لا قشرة ولا لباس ولا متاع ولا مال احوج خلق الله واضعفهم وافقرهم فصرف ذلك اللبن الذي كنت تتغذى به في بطن امك الى خزانتين معلقتين على صدرها تحمل غذاءك على صدرها كما حملتك في بطنها ثم ساقه الى تينك الخزانتين الطف سوق على مجار وطرق قد تهيأت له فلا يزال واقفا في طرقه ومجاريه حتى تستوفي ما في الخزانة فيجرى وينساق اليك فهو بئر لاتنقطع مادتها ولا تنسد طرقها يسوقها اليك في طرق لا يهتدي اليها الطواف ولا يسلكها الرجال فمن رققه لك وصفاه واطاب طعمه وحسن لونه واحكم طبخه اعدل احكام لا بالحار المؤذي ولا بالبارد الردي ولا المر ولا المالح ولا الكريه الرائحة بل قلبه الى ضرب آخر من التغذية والمنفعة خلاف ما كان في البطن فوافاك في أشد اوقات الحاجة اليه على حين ظمأ شديد وجوع مفرط جمع لك فيه بين الشراب والغذاء فحين تولد قد تلمظت وحركت شفتيك للرضاع فتجد الثدي المعلق كالاداوة قدتدلى اليك وأقبل بدره عليك ثم جعل في راسه تلك الحلمة التي هي بمقدار صغر فمك فلا يضيق عنها ولا تتعب بالتقامها ثم نقب لك في راسها نقبا لطيفا بحسب احتمالك ولم يوسعه فتختنق باللبن ولم يضيقه فتمصه بكلفة بل جعله بقدر اقتضته حكمته ومصلحتك فمن عطف عليك قلب الام ووضع فيه الحنان العجيب والرحمة الباهرة حتى تكون في أهنا ما يكون من شأنها وراحتها ومقيلها فإذا احست منك بأدنى صوت او بكاء قامت اليك وآثرتك على نفسها على عدد الانفس منقادة اليك بغير قائد ولا سائق الا قائد الرحمة وسائق
#
